
مصطفى مجبر
عشر سنوات كاملة مرت على تمثيل دائرة القرية – غفساي داخل قبة البرلمان، وهي مدة زمنية كافية في التجارب الديمقراطية لقياس الأثر وتقييم النتائج واستخلاص الدروس. فحين يتعلق الأمر بأكثر من 200 ألف مواطن ومواطنة موزعين على 22 جماعة، بينها جماعتان حضريتان وأغلبية قروية تعاني هشاشة بنيوية واضحة، فإن الزمن السياسي لا يمكن أن يُختزل في الشعارات أو يُبرر بتعقيدات المساطر.
المنطقة، بطابعها القروي الغالب، تواجه تحديات مركبة تشمل ضعف البنيات التحتية، إكراهات الولوج إلى الخدمات الصحية، محدودية العرض التعليمي في بعض الجماعات، إضافة إلى معضلة التشغيل وهشاشة النسيج الاقتصادي المحلي. وهي ملفات لا تُحل بين ليلة وضحاها، لكنها أيضًا لا تنتظر عقدًا كاملاً دون تقييم صريح لما تحقق.
في العمل النيابي، لا يُقاس الأداء فقط بعدد الأسئلة الشفوية أو الكتابية، ولا بحجم الحضور في الأنشطة الرسمية، بل بمدى القدرة على الترافع الجاد من أجل إدراج مشاريع تنموية ضمن السياسات العمومية، وجلب اعتمادات مالية، وتحريك ملفات ظلت عالقة لسنوات. التمثيل البرلماني مسؤولية سياسية وأخلاقية تتجاوز الرمزية إلى الفعالية.
اليوم، ومع اقتراب نهاية الولاية، يطفو إلى السطح سؤال الحصيلة بصيغة هادئة لكنها واضحة:
ما هي المشاريع المهيكلة التي خرجت إلى حيز الوجود خلال هذه السنوات العشر؟
هل تحسنت مؤشرات الولوج إلى العلاج والخدمات الصحية الأساسية؟
هل شهدت المؤسسات التعليمية توسعًا أو تأهيلًا يواكب تطور الحاجيات الديمغرافية؟
وماذا عن الطرق والمسالك القروية التي تشكل شريان الحياة الاقتصادية والاجتماعية للساكنة؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يندرج في خانة التشكيك أو المزايدة، بل في إطار ثقافة المساءلة التي تشكل جوهر الممارسة الديمقراطية. فالنائب البرلماني ليس مجرد ناقل لصوت الناخبين، بل فاعل سياسي يفترض فيه التأثير في القرار العمومي، وبناء جسور فعالة بين المركز والمجال الترابي الذي يمثله.
كما أن عشر سنوات من الحضور داخل المؤسسة التشريعية تتيح تراكمًا في العلاقات والمؤهلات والقدرة على التأثير، وهو ما يجعل سقف الانتظارات أعلى. فالساكنة التي منحت ثقتها مرتين متتاليتين، من حقها اليوم الاطلاع على حصيلة مفصلة بالأرقام والمعطيات، توضح ما تحقق فعلاً، وما تعثر، وما هي الإكراهات الموضوعية التي حالت دون إنجاز بعض المشاريع.
التحدي اليوم لا يتعلق بالماضي فقط، بل بكيفية تحويل التقييم إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، ووضع تعاقد سياسي واضح قائم على الشفافية والالتزام بنتائج قابلة للقياس. فالتنمية المحلية لا تُبنى بخطابات موسمية، بل برؤية استراتيجية طويلة النفس، وبعمل تراكمي منسق بين مختلف الفاعلين.
دائرة القرية – غفساي تستحق نقاشًا عموميًا رصينًا حول مسارها التنموي، بعيدًا عن الشخصنة أو الاصطفافات الضيقة. لأن الرهان الحقيقي ليس سياسيًا فحسب، بل تنموي بالدرجة الأولى.
وعندما يكتمل عقد من الزمن في المسؤولية، يصبح كشف الحساب ضرورة لا خيارًا… فثقة المواطنين تُمنح على أساس الأمل، لكنها تُجدد على أساس الإنجاز.

