عمدة فاس بين “استعراض الإنجاز” وانتظارات الساكنة… حين تتحول الآليات إلى مادة للسخرية الرقمية

عمدة فاس بين “استعراض الإنجاز” وانتظارات الساكنة… حين تتحول الآليات إلى مادة للسخرية الرقمية
مصطفى مجبر
مصطفى مجبر

في زمنٍ باتت فيه الصورة تسبق الفعل، وتُختزل فيه حصيلة التدبير العمومي في لقطات قصيرة تُنشر على منصات التواصل الاجتماعي، وجد عمدة مدينة فاس نفسه في قلب موجة من الجدل، عقب تداول مقطع فيديو يوثق لحظة تقديم أربع رافعات مخصصة لصيانة الإنارة العمومية، تم اقتناؤها بغلاف مالي يقارب 600 مليون سنتيم.

الفيديو، الذي كان من المفترض أن يُبرز جانبًا من مجهودات الجماعة في تحسين خدمات القرب، سرعان ما تحول إلى مادة للسخرية والتندر، ليس بسبب مضمون المشروع في حد ذاته، بل بسبب الطريقة التي تم بها تقديمه، والتي بدت للكثيرين أقرب إلى “احتفال رمزي” لا يعكس حجم التحديات الحقيقية التي تواجه المدينة.

واقع الحال أن هذه الرافعات، رغم أهميتها التقنية في إصلاح وتغيير مصابيح الإنارة العمومية، لن تُخصص لجماعة واحدة، بل ستتداول على استعمالها ست جماعات، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول نجاعة هذا النموذج في الاستجابة لحاجيات مدينة بحجم فاس، التي تعاني في عدد من أحيائها من اختلالات متكررة في الإنارة والبنية التحتية.

الانتظار الذي تجاوز سنة ونصف قبل التوصل بهذه المعدات، لم يكن هو الإشكال الوحيد، بل إن تزامن هذا “التقديم الاحتفالي” مع تأخر مشاريع أخرى، جعل جزءًا من الرأي العام المحلي يعتبر أن الأولويات لا تزال غير مرتبة بالشكل الذي يستجيب لتطلعات الساكنة.

وفي خضم هذا النقاش، أعاد رواد مواقع التواصل التذكير بمحطات سابقة طغى عليها نفس الطابع “الاستعراضي”، خصوصًا خلال الإعلان عن صفقات تدبير قطاع النظافة، حيث ارتفعت حينها سقوف التوقعات، قبل أن تعود الأسئلة نفسها لتُطرح اليوم حول أثر تلك الصفقات على الواقع اليومي للمدينة.

إن تدبير الشأن المحلي لم يعد يُقاس فقط بعدد المعدات أو حجم الاعتمادات المرصودة، بل بمدى انعكاس تلك الاستثمارات على جودة عيش المواطنين. فساكنة فاس، التي تتابع تفاصيل هذه المشاريع بدقة، لا تنتظر “مشاهد توثيقية”، بقدر ما تطمح إلى نتائج ملموسة تُنهي معاناة الإنارة المتقطعة، وتعيد التوازن لمشهد حضري يليق بتاريخ المدينة ومكانتها.

الرسالة التي يبعث بها هذا الجدل تتجاوز واقعة فيديو عابر، لتلامس جوهر العلاقة بين المنتخب والمواطن: علاقة قوامها الثقة، وأساسها الصدق في ترتيب الأولويات، بعيدًا عن أي مظاهر قد تُفهم على أنها استخفاف بذكاء الرأي العام.

وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان الحقيقي ليس في عدد الآليات المُقتناة، بل في القدرة على تحويلها إلى خدمة فعالة، تُقاس بإنارة شارعٍ كان معتماً، لا بعدد المشاهدات التي يحصدها فيديو على منصات التواصل.

الاخبار العاجلة