بقلم :ذ.مصطفى مجبر
مرة أخرى، يخرج مجلس عمالة فاس بحزمة من اتفاقيات الشراكة والدعم الاجتماعي والثقافي والتربوي، مقدماً إياها باعتبارها إنجازات تستحق التوقف عندها. ولا أحد يمكنه أن يعارض دعم الفئات الهشة أو تعزيز خدمات النقل المدرسي أو توفير سيارات إسعاف أو تحسين بعض المرافق الاجتماعية، فهذه كلها مبادرات مطلوبة ومحمودة في أصلها.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل هذا هو سقف الطموح الذي تستحقه مدينة بحجم فاس؟
فاس ليست جماعة قروية صغيرة تبحث عن حلول أولية لبعض الإكراهات اليومية، بل هي العاصمة العلمية للمملكة وإحدى أكبر الحواضر المغربية من حيث الكثافة السكانية والرصيد التاريخي والإمكانات الاقتصادية والبشرية. لذلك فإن الرأي العام ينتظر مشاريع مهيكلة كبرى قادرة على إحداث تحول حقيقي في واقع المدينة، لا مجرد تدبير يومي لاحتياجات كان يفترض أن تكون محسومة منذ سنوات.
حين يصبح إصلاح طرق حي حرفي، أو اقتناء سيارات للنقل الاجتماعي، أو توفير أجهزة طبية أساسية، أو تمويل سباق شعبي، من أبرز ما تتداوله المؤسسات المنتخبة خلال دوراتها الرسمية، فإن ذلك يكشف حجم الفجوة بين انتظارات الساكنة ومستوى الأجوبة المقدمة لها.
فالمدينة اليوم تواجه تحديات أكبر بكثير: أزمة البنية التحتية، تعثر عدد من المشاريع التنموية، اختناق حركة السير في عدة محاور، تراجع جاذبية الاستثمار، إشكالات النظافة والإنارة والمجالات الخضراء، وضعية الأحياء الهامشية، والحاجة إلى رؤية اقتصادية تخلق فرص الشغل وتعيد لفاس مكانتها التي تستحقها.
المواطن الفاسي لا يبحث فقط عن اتفاقيات جديدة تضاف إلى أرشيف المؤسسات، بل ينتظر نتائج ملموسة تنعكس على جودة حياته اليومية. كما أن كثرة الاتفاقيات لم تعد في حد ذاتها مؤشراً على النجاح، ما لم تكن مصحوبة بأثر واضح وقابل للقياس على أرض الواقع.
إن التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد الوثائق التي تتم المصادقة عليها خلال الدورات، بل بحجم التحولات التي يشعر بها المواطن في الشارع والحي والمؤسسة والخدمة العمومية. ومن هنا يبقى التحدي الأكبر أمام مختلف المجالس المنتخبة هو الانتقال من منطق التدبير المحدود إلى منطق المشاريع الكبرى القادرة على مواكبة حجم مدينة بحجم فاس.
فاس تستحق أكثر… وساكنتها تنتظر ما هو أكبر من مجرد عناوين اتفاقيات ودعم موسمي هنا وهناك.

