يونس لكحل
في سياق يتسم بتزايد الرهانات التنموية وتعاظم الحاجة إلى تحقيق العدالة المجالية، يبرز إقليم تاونات كأحد المجالات الترابية التي عانت طويلاً من ضعف جاذبية الاستثمار وندرة المشاريع المهيكلة القادرة على خلق دينامية اقتصادية حقيقية. ورغم ما تزخر به المنطقة من مؤهلات طبيعية وبشرية مهمة، ظل الإقليم، ولعقود، مجالاً طارداً لأبنائه ومفرغاً لطاقاته، في ظل محدودية فرص الشغل وغياب بدائل اقتصادية مستدامة.
غير أن المؤشرات بدأت تتغير تدريجياً، خاصة مع الأوراش الكبرى التي تعرفها البنية التحتية، وعلى رأسها مشروع تثنية الطريق الوطنية رقم 8، الذي لا يمثل فقط تحسيناً لشبكة النقل، بل مدخلاً استراتيجياً لفك العزلة وتعزيز الربط الاقتصادي مع باقي الجهات، وهو ما يهيئ الأرضية المناسبة لاستقطاب الاستثمارات.
في هذا الإطار، يكتسي مشروع إنشاء وحدة صناعية لتعبئة المياه بمنطقة بوعادل أهمية خاصة، باعتباره نموذجاً للاستثمار المنتج الذي ينسجم مع الخصوصيات المحلية ويعتمد على تثمين الموارد الطبيعية بشكل عقلاني ومستدام. فاختيار استغلال نسبة لا تتجاوز 10% من الموارد المائية يعكس وعياً بيئياً متقدماً، ويبدد في الآن ذاته المخاوف المرتبطة بالاستنزاف أو الإضرار بالتوازنات الإيكولوجية، خاصة في منطقة يعتمد جزء مهم من ساكنتها على النشاط الفلاحي.
لكن الأهمية الحقيقية لهذا المشروع لا تقف عند حد المقاربة البيئية، بل تتجاوزها إلى أبعاده الاقتصادية والاجتماعية العميقة. فخلق أزيد من 400 منصب شغل مباشر وغير مباشر، مع إعطاء الأولوية لليد العاملة المحلية، يشكل خطوة عملية نحو الحد من البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب، الذين ظلوا لسنوات رهائن للهجرة القسرية بحثاً عن فرص أفضل.
كما أن هذا المشروع سيساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، من خلال تحفيز الأنشطة المرتبطة به، سواء في مجالات النقل أو الخدمات أو التوزيع، وهو ما من شأنه خلق نسيج اقتصادي متكامل ينعكس إيجاباً على مختلف الفاعلين المحليين. ولا يمكن إغفال الأثر المالي المباشر على الجماعة الترابية (بوعادل ) ، عبر الرسوم والواجبات السنوية، والتي ستعزز قدراتها على تمويل مشاريع تنموية إضافية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يطرح واقع الإقليم إشكالية أعمق تتعلق بكيفية التعامل مع مثل هذه المشاريع. فليس من المنطقي، في ظل الحاجة الملحة للاستثمار، أن يتم بدوافع سياسية – خاوية الوفاض – التشكيك الممنهج أو الهجوم غير المبرر على مبادرات اقتصادية تستجيب للمعايير القانونية والبيئية، وتوفر فرصاً حقيقية للتنمية. بل إن المرحلة تقتضي تعبئة جماعية، قائمة على التنسيق والتكامل بين مختلف الفاعلين—منتخبين، إدارة، مجتمع مدني وقطاع خاص—من أجل خلق مناخ استثماري جاذب ومستقر.
باعتبار ان الحقيقة الواضحة هو ان الرؤية الاقتصادية والاجتماعية الراهنة تفرض القطع مع منطق الانتظار والتردد، والانتقال نحو منطق المبادرة والانفتاح على الاستثمارات الجادة، التي تحترم البيئة وتخلق القيمة المضافة. فإقليم تاونات لا يمكن أن يظل رهيناً لصورة المجال المهمش، بل يجب أن يتحول إلى قطب تنموي صاعد، يستثمر مؤهلاته ويمنح أبناءه الأمل في مستقبل أفضل.
ومن خلال كل ذلك ، يمثل مشروع تعبئة المياه ببو عادل أكثر من مجرد وحدة صناعية؛ بل رسالة قوية بأن الإقليم قادر على احتضان مشاريع نوعية، وأن الفرص موجودة لمن يحسن استثمارها لخدمة المنطقة .
كما أنه اختبار حقيقي لقدرة الفاعلين المحليين على مواكبة التحولات، والانخراط في دينامية تنموية شاملة، قوامها الاستثمار المسؤول، والعدالة المجالية، وخدمة الصالح العام.
وإقليم تاونات اليوم محتاج إلى مشاريع استثمارية قادرة على امتصاص البطالة وتشغيل اليد العاملة المحلية، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، الذين يواجهون محدودية الفرص داخل الإقليم. بالرجوع إلى أن واقع سوق الشغل حاليا يعكس اختلالاً واضحاً بين العرض والطلب، ما يدفع عدداً كبيراً من أبناء المنطقة إلى الهجرة نحو المدن الكبرى أو خارج الوطن بحثاً عن مورد رزق. لذلك، فإن أي مشروع استثماري جاد، مثل وحدة تعبئة المياه بوعادل، لا ينبغي النظر إليه فقط كاستثمار اقتصادي، بل كآلية اجتماعية لإعادة التوازن، والحفاظ على الاستقرار الأسري، وإعادة الثقة في المجال الترابي كفضاء قادر على توفير فرص العيش الكريم. لان الأمر برمته لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحة لضمان كرامة الساكنة وتحقيق تنمية حقيقية ومستدامة بدون مزايدات سياسية فارغة، ولنا الدلائل والبراهين الواقعية بأقاليم أخرى كتطوان وطنجة وغيرها وما وصلت إليه من رقي وتطور بفضل تنزيل وتشجيع الإستثمارات في جل المجالات …
إقليم تاونات محتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استثمارات منتجة تخلق فرص الشغل وتؤسس لتنمية عادلة ومستدامة

