
مصطفى مجبر
في لحظة مؤسساتية نادرة، خرج المدير العام للشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس، محمد الشاوي، بخطاب يتجاوز لغة المجاملات الإدارية، واضعًا إقليم تاونات أمام حقيقة صادمة: أكثر من نصف مستحقات الماء والكهرباء لا تدخل إلى صناديق التحصيل.
هذا الرقم، الذي يناهز 55% من الفواتير غير المؤداة، لا يمكن قراءته كاختلال تقني عابر، بل كمؤشر على خلل عميق في منظومة التدبير، حيث تتقاطع عوامل ضعف المراقبة مع انتشار ممارسات الاستهلاك غير القانوني، في بيئة ظلت لسنوات بعيدة عن المحاسبة الصارمة.
تشخيص صريح: أزمة تحصيل أم اختلال في الحكامة؟

ما قدمه الشاوي خلال اللقاء التواصلي بعمالة تاونات لم يكن مجرد عرض أرقام، بل تشخيصًا سياسيًا-اقتصاديًا لوضع معقد. فحين تعجز مؤسسة عن استخلاص أكثر من نصف مستحقاتها، فإن السؤال لا يتعلق فقط بالمواطن البسيط، بل يمتد إلى شبكات غير مرئية تستفيد من الوضع القائم.
الحديث هنا لا ينفصل عن واقع تعرفه مناطق قروية وفلاحية، حيث تتحول شبكات الماء والكهرباء في بعض الحالات إلى موارد مفتوحة للاستغلال غير المشروع، سواء عبر الربط العشوائي أو التحايل على العدادات.
محمد الشاوي: من منطق التدبير إلى منطق المواجهة
خصوصية خطاب المدير العام تكمن في انتقاله من موقع المسير إلى موقع المواجهة. فالرجل، ابن المنطقة، يدرك أن الإشكال لا يرتبط فقط بالأرقام، بل بثقافة متجذرة سمحت بتطبيع الاستفادة دون أداء.
إعلانه الواضح عن ضرورة استرجاع المال العام وقطع الطريق على “الانتهازيين” يحمل دلالة قوية: مرحلة التساهل انتهت، ومرحلة إعادة فرض القانون قد بدأت.
هذه الرسالة لا تستهدف المواطنين فقط، بل توجه بشكل غير مباشر إلى فئات راكمت امتيازات غير قانونية، مستفيدة من هشاشة أنظمة المراقبة أو من غياب التنسيق بين المتدخلين.
استثمارات ضخمة في بيئة هشة
في مقابل هذا التشخيص الحاد، أعلنت الشركة عن برنامج استثماري مهم يناهز 3 مليارات درهم موجه لتأهيل البنيات التحتية وتحسين جودة الخدمات بإقليم تاونات.
غير أن هذا الطموح يصطدم بإكراه جوهري: كيف يمكن تمويل استثمارات كبرى في سياق لا يتم فيه استرجاع سوى أقل من نصف الموارد؟
المعادلة هنا واضحة:
إما إصلاح جذري لمنظومة التحصيل ومحاربة الاستهلاك غير المشروع،
أو استمرار نزيف مالي قد يقوض أي مجهود تنموي مهما بلغت قيمته.
سرقة الماء والكهرباء: عائق صامت أمام التنمية
من بين أبرز ما كشفته النقاشات المصاحبة للقاء، حجم الخسائر المرتبطة بسرقة الماء والكهرباء، وهي ممارسات لا تؤثر فقط على مداخيل الشركة، بل تضرب في العمق مبدأ العدالة بين المواطنين.
فالملتزم بالأداء يجد نفسه عمليًا يمول خدمة يستفيد منها آخرون خارج القانون، وهو ما يخلق اختلالًا في الثقة بين المواطن والمؤسسة.
كما أن هذه الظاهرة تنعكس سلبًا على استقرار الشبكات، وتؤدي في كثير من الأحيان إلى انقطاعات أو ضعف في التزود، خصوصًا في المناطق القروية.
الإعلام بين التعتيم وواجب المساءلة
رغم خطورة الأرقام المعلنة، لم تحظَ هذه المعطيات بالاهتمام الكافي من بعض المنابر المحلية، وهو ما يعيد طرح سؤال دور الإعلام في مواكبة القضايا الجوهرية المرتبطة بالمال العام.
فالصحافة المهنية لا تكتفي بنقل الأحداث، بل تسعى إلى تفكيكها، وربطها بسياقها، وطرح الأسئلة التي قد تكون محرجة لكنها ضرورية.
تاونات أمام منعطف حاسم
ما يحدث اليوم في تاونات ليس مجرد إصلاح قطاعي، بل اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على فرض القانون واسترجاع التوازن المالي.
تصريحات محمد الشاوي وضعت الجميع أمام مسؤوليات واضحة:
- الإدارة مطالبة بتشديد المراقبة وتطوير آليات التحصيل؛
- السلطات مدعوة لتفعيل القانون في مواجهة المخالفين؛
- المواطن مدعو للانخراط في ثقافة الأداء مقابل الخدمة.
الأرقام التي كُشفت لم تعد قابلة للتأويل أو التبرير. نحن أمام واقع يتطلب قرارات حازمة تعيد الاعتبار للمال العام وتضع حدًا لسنوات من الاختلال.
نجاح هذا الورش لن يقاس بحجم الاستثمارات المعلنة، بل بمدى القدرة على تفكيك منظومة الاستفادة غير المشروعة، وإرساء قواعد شفافة تضمن العدالة بين جميع المرتفقين.

