إطلاق مشروع “تأهيل”: نحو عدالة بديلة للشباب بالمغرب   

إطلاق مشروع “تأهيل”: نحو عدالة بديلة للشباب بالمغرب   

في ظل تزايد الاهتمام بقضايا إعادة إدماج الشباب في نزاع مع القانون، والتي أصبحت تشكل أولوية أساسية ضمن السياسات العمومية بالمغرب، تبرز مبادرات جديدة تسعى إلى إحداث تحول نوعي في المقاربات المعتمدة، من خلال تعزيز عدالة أكثر إنسانية وإنصافًا، قائمة على مبدأ الإدماج بدل الإقصاء.

وفي هذا الإطار، تم إطلاق مشروع “تأهيل”، الذي تشرف عليه جمعية الشباب لأجل الشباب، في سياق الدينامية الوطنية الرامية إلى إصلاح منظومة العدالة، وذلك بهدف ترسيخ مقاربة جديدة ترتكز على إعادة التأهيل والإدماج الاجتماعي للشباب في نزاع مع القانون. ويُنفذ هذا المشروع في إطار برنامج تابع لمجلس أوروبا، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي، حيث يطمح إلى تعزيز تفعيل العقوبات البديلة المنصوص عليها في القانون رقم 43.22، إلى جانب تطوير آليات العدالة التصالحية بما     يستجيب للتحديات الاجتماعية الراهنة.        

                                             

وقد احتضن المعهد الوطني لكتابة الضبط والمهن القانونية والقضائية بتكنوبوليس (سلا)، خلال الفترة الممتدة من 23 إلى 26 أبريل 2026، أنشطة إطلاق هذا المشروع، والتي تميزت بتنظيم سلسلة من الدورات التكوينية لفائدة فئات مختلفة من الفاعلين المعنيين بملف إعادة الإدماج، من بينهم الصحفيون وصناع المحتوى، إضافة إلى المدربين المجتمعيين والوسطاء الاجتماعيين.                              

وقد شكل اليوم الأول، المنعقد يوم 23 أبريل خلال الفترة المسائية، محطة أولى لتأطير النقاش حول دور وسائل الإعلام في تناول قضايا الشباب في نزاع مع القانون، حيث تم التأكيد على أهمية اعتماد خطاب إعلامي مسؤول، يقوم على احترام الكرامة الإنسانية وتفادي الصور النمطية، لما لذلك من تأثير مباشر على تمثلات المجتمع تجاه هذه الفئة.                                                                

أما يوم 24 أبريل 2026، فقد شكل الانطلاقة الرسمية لأشغال المشروع، من خلال جلسة افتتاحية عرفت حضور عدد من الفاعلين المؤسساتيين وشركاء المشروع، إلى جانب خبراء في المجال القانوني والقضائي. وقد استُهلت الفترة الصباحية بكلمات افتتاحية لممثلي المؤسسات والجهات الداعمة، الذين أكدوا على أهمية هذه المبادرة في مواكبة الإصلاحات التي يشهدها قطاع العدالة بالمغرب.               

وفي هذا السياق، أبرز يوسف فلاح، ممثل مجلس أوروبا في إطار برنامج MA- JUST الدور الاستراتيجي الذي يضطلع به المشروع في دعم هذه الإصلاحات، لا سيما من خلال تعزيز اللجوء إلى بدائل العقوبات السالبة للحرية، بما يسهم فيتحقيق عدالة أكثر فعالية وإنسانية.                                    

كما شهدت الجلسة مداخلات لكل من رئيسة جمعية شباب لأجل الشباب، حنان زريح، والمديرالتنفيذي للجمعية، أحمد رزقي، حيث أكدا على أهمية المشروع ورهاناته، وعلى الأثر الإيجابي المنتظر على مسارات إعادة إدماج الشباب، مع التشديد على ضرورة تعبئة مختلف الفاعلين لضمان نجاح هذه المبادرة.                                                                                                       

وشكل الدرس الافتتاحي، المعنون بـ«الإعلام والفرصة الثانية: نحو معالجة مسؤولة لقضايا الشباب في نزاع مع القانون»، محطة بارزة خلال هذا اليوم، حيث أتاح المجال لنقاش معمق حول العلاقة بين الإعلام والعدالة وإعادة الإدماج. كما سلطت تدخلات الخبراء الضوء على التحولات التي تعرفها السياسة الجنائية بالمغرب، وعلى الحاجة إلى تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يضمن نجاعة أكبر في مسارات إعادة الإدماج .                                                                            

وقد تواصلت أشغال هذا اليوم خلال الفترة المسائية، من خلال جلسات تناولت تحليل منظومة العدالة وآليات إعادة الإدماج، حيث تم التأكيد على أهمية تعزيز التنسيق بين المؤسسات العمومية والمجتمع المدني والمهنيين العاملين في الميدان، من أجل ضمان مواكبة فعالة ومستدامة للشباب المعنيين.         

أما اليوم الثالث، المنعقد يوم 25 أبريل، فقد خُصص للجانب التطبيقي من المشروع، حيث تم التركيز على تنمية القدرات العملية للفاعلين الميدانيين، وعلى رأسهم المدربون المجتمعيون والوسطاء الاجتماعيون، الذين يشكلون حلقة أساسية في مواكبة الشباب عن قرب. كما شملت هذه الأنشطة أيضًا الأشخاص المهتمين بمجال الإعلام والوساطة، بهدف تعزيز تكامل الأدوار بين مختلف الفاعلين المعنيين بمسارات إعادة الإدماج.                                                                                     

وفي هذا الإطار، شارك هؤلاء في ورشات تطبيقية تناولت مجموعة من المهارات الأساسية، من بينها تقنيات الإنصات الفعال، وتشخيص الحالات الفردية، وأساليب المواكبة والتتبع، بالإضافة إلى إعداد مشاريع مهنية تتلاءم مع وضعيات المستفيدين وتستجيب لاحتياجاتهم.                                      

وقد مكنت هذه الأنشطة من تعميق فهم التحديات المرتبطة بإعادة الإدماج، كما ساهمت في تعزيز قدرات المشاركين على تقديم مواكبة مهيكلة وشخصية ومستدامة. وبالتوازي مع ذلك، واصل المشاركون من المجال الإعلامي تكوينهم من خلال ورشات عملية ركزت على إنتاج محتوى إعلامي مسؤول، قائم على التحقق من المعلومات، وبناء السرد الصحفي، واحترام أخلاقيات المهنة في معالجة القضايا الحساسة.                                                                                               

ومن خلال هذه المقاربة متعددة الأبعاد، يؤكد مشروع “تأهيل” على قناعة أساسية مفادها أن نجاح سياسات إعادة الإدماج يظل رهينًا بتعبئة جماعية ومنسقة لمختلف الفاعلين، سواء كانوا إعلاميين أو اجتماعيين أو مؤسساتيين. فوسائل الإعلام تساهم في تغيير التمثلات المجتمعية، في حين يعمل المدربون على مواكبة المسارات الفردية، ويؤدي الوسطاء الاجتماعيون دورًا محوريًا في الربط بين الشباب وأسرهم والمؤسسات.                                                                                         

وبذلك، يسعى المشروع إلى إرساء دينامية تشاركية قادرة على تعزيز ثقافة الفرصة الثانية، وتطوير آليات العدالة البديلة بالمغرب، بما يكرس مبادئ الكرامة الإنسانية والمسؤولية والإدماج .               

الاخبار العاجلة