يونس لكحل
من المعلوم أن مختلف أقاليم المملكة تتسابق لاستقطاب الاستثمارات في القطاع الخاص، باعتباره رافعة أساسية لتحقيق التنمية وخلق فرص الشغل، مما يدفع إلى طرح وبإلحاح سؤال مقلق : لماذا يواجه أي مشروع استثماري بإقليم تاونات موجة من الرفض أو التشكيك أو حتى الهجوم؟ فهل يتعلق الأمر فعلاً بدوافع بيئية أو قانونية مشروعة، أم أن خلفيات أعمق تحرك هذا السلوك وتغذيه؟
فواقع إقليم تاونات لا يحتاج إلى كثير من الشرح. نسب بطالة مرتفعة، هجرة مستمرة للشباب نحو المدن الكبرى، وضعف في البنيات الاقتصادية القادرة على خلق دينامية محلية مستدامة. لذلك ، يفترض أن يكون الاستثمار مرحباً به باعتباره فرصة لإعادة التوازن للمجال وخلق أفق جديد للأجيال الصاعدة. غير أن ما يحدث أحياناً يسير في الاتجاه المعاكس، حيث تتحول بعض المشاريع إلى هدف لحملات (مشوشة) تتجاوز النقد الموضوعي إلى محاولة العرقلة بدوافع سياسية بغيضة.!
والقراءة السطحية قد تختزل هذا – التشويش و البهرجة – في تخوفات اجتماعية أو بيئية، وهي مخاوف غير مؤسسة على معطيات دقيقة. لكن الإشكال يبرز حين يتحول هذا (الهجوم) إلى نمط متكرر يطال كل المبادرات تقريباً، بغض النظر عن طبيعتها أو آثارها المحتملة. لذلك يصبح من المشروع التساؤل: من المستفيد من بقاء إقليم تاونات خارج دائرة الجذب الاستثماري؟
فهناك من يرى أن استمرار الهشاشة الاقتصادية يخدم مصالح سياسية ضيقة. باعتبار ان الفقر والبطالة لا يشكلان فقط معاناة اجتماعية، بل يمكن أن يتحولا إلى أدوات للضبط والتحكم السياسي ، بل وأرضية خصبة لتأجيج الفراغ بهدف تحقيق مكاسب سياسية لبعض الكائنات ( دكاكين سياسية ) التي تخوض في مراتع السياسة!.
لأن في تصور هؤلاء أن المواطن الذي يعيش تحت ضغط الحاجة والبطالة يكون أكثر عرضة للتأثير والسيطرة ، وأقل قدرة على اتخاذ قرارات مستقلة، خاصة في المحطات الانتخابية. وفي المقابل، فإن تحسن الظروف المعيشية للساكنة يحرر الإرادة الفردية، ويدفع نحو سلوك سياسي أكثر وعياً واستقلالية.
وبهذا المعنى طبعا ، فإن أي تحول اقتصادي حقيقي داخل الإقليم لا يُنظر إليه فقط كمسألة تنموية، بل كتهديد محتمل لتوازنات سياسية قائمة على الهشاشة وتقتات على استمراريتها !. لذلك، قد يُفهم جزء من مقاومة الاستثمار كنوع من الدفاع غير المعلن عن واقع يخدم فاعلين اعتادوا الاشتغال داخل بيئة يغلب عليها الفقر وضعف البدائل.
لكن هذه المقاربة التي وجب رفضها وتعريتها ، رغم ضجيجها ، لا يجب أن تعفينا من ضرورة التمييز بين الاستثمار الجاد والمسؤول، وبين المشاريع التي قد تطرح فعلاً إشكالات بيئية أو اجتماعية. فالتنمية الحقيقية لا تقوم على القبول الأعمى، بل على نقاش عمومي ناضج يوازن بين الحاجة إلى الشغل وحماية الموارد وضمان كرامة الساكنة.
كما ان السؤال الأهم اليوم ليس فقط لماذا تتم مهاجمة الاستثمارات، بل كيف يمكن خلق بيئة ثقة تجعل من تاونات أرضاً جاذبة لرؤوس الأموال، دون التفريط في حقوق الساكنة. والتجارب الناجحة في أقاليم مثل تطوان وطنجة وغيرهما تُظهر أن التحول ممكن حين تتكامل الإرادة السياسية مع وضوح الرؤية وتعبئة الفاعلين المحليين.
وتاونات ليست أقل مؤهلات من غيرها، لكنها تحتاج إلى كسر حلقة مخططات تأبيد أزمة الهشاشة الاقتصادية تلك التي تستغل سياسيا ، مع إعادة بناء الأسس التنموية برؤى واقعية ، فلا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية ، بدون تشجيع الاستثمارات وخلق فرص الشغل ، حتى لا يظل الإقليم يدور في نفس الحلقة: بطالة، هجرة، وهشاشة متجددة.
والرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من منطق التشويش على الاستثمار، إلى منطق التدبير والتوجيه بما يخدم المصلحة العامة. حينها فقط، يمكن أن تتحول تاونات من إقليم طارد لأبنائه، إلى مجال جاذب للفرص والحياة الكريمة مما يوقف مخططات التضليل ويدفع إلى حاضر ومستقبل افضل لاقليم تاونات، فلا تنمية مجالية مندمجة بدون حركية استثمارية اقتصادية ناجحة على كل المستويات ،وهذه هي الحقيقة …
إقليم تاونات لن يظل رهينا للهشاشة : كيف تتحول مخططات محاربة الاستثمار إلى آلية لإدامة الفقر والبطالة بأهداف سياسية ؟

