يونس لكحل
تُعد جهة فاس-مكناس القلب النابض للفلاحة المغربية بما تختزنه من أراضٍ خصبة وأحواض مائية كبرى وبما تمثله من ثقل نوعي بموقعها الجغرافي الإستراتيجي ، غير أن هذه الصورة المشرقة على مستوى المؤهلات الطبيعية الفلاحية تصطدم بواقع ميداني مغاير عنوانه الأبرز استياء متصاعد في صفوف الفلاحين خاصة الصغار والمتوسطين من الأداء التدبيري للغرفة الفلاحية بالجهة، التي يصفها كثيرون في عبارة تأتي على شكل ( انعدام المواكبة للتحديات المتفاقمة التي يعيشها القطاع بسبب ضعف على مستوى التسيير والتدبير وضبابية على مستوى الشفافية ..! ) ، فالمفارقة الصارخة بحسب عدد من المتتبعين تكمن في التباين بين حجم الموارد المتاحة وبين مردودية الأداء المؤسساتي إذ إن جهة تتربع على واحدة من أهم الاراضي الفلاحية بالمملكة وتتوفر على تنوع إنتاجي مهم كان من المفترض أن تكون نموذجاً في الحكامة الفلاحية والتخطيط الإستباقي وتطوير متسارع للمشاريع الإقتصادية الفلاحية … لكن كل ذلك لم يحدث !! وبقيت العجلة متوقفة بالرجوع الى أن تدخلات الغرفة الجهوية للفلاحة فاس-مكناس ظلت بحسب متتبعين حبيسة أنشطة روتينية ذات طابع مناسباتي يسيطر عليها ما يصطلح عليه بمنطق ( بهرجة الديكور مع نفقات ضخمة ) بدون ان ترقى إلى مستوى الإكراهات البنيوية التي يواجهها الفلاح بالجهة بسبب توالي سنوات الجفاف وارتفاع الأسعار وصعوبات الولوج إلى التمويل والأسواق ، ما أفرز ما يمكن تسميته بأزمة ثقة صامتة لكن بدأت تتحرك في مجالس عديدة عبر التعبير عن الرفض لهذا واقع ، بحيث يشعر عدد من الفلاحين بأن مؤسستهم التمثيلية لم تعد صوتاً ضاغطاً بقدر ما أصبحت إطاراً شكلياً يفتقد للمبادرة والجرأة في اتخاذ القرارات !! ، بل ويرى مراقبون أن جوهر الإشكال لا يرتبط فقط بالتدبير بل بما يمكن توصيفه بالضعف السياسي في الترافع، إذ يفترض في الغرفة باعتبارها مؤسسة منتخبة وشريكاً مؤسساتياً أن تضطلع بدور الوسيط القوي بين القاعدة الفلاحية ومراكز القرار الحكومي ، لكن ذلك لم يحدث ونحن الآن نقرب من نهاية الولاية الإنتدابية للحكومة .، فدور الغرفة الفلاحية لجهة فاس – مكناس ظل باهتاً … مما يدفع لإستحضار في هذا السياق مقارنات مع فترات سابقة خاصة خلال المرحلة السابقة في فترة رئاسة – عبو – والتي يرى مهنيون فلاحون أنها فترة كانت جيدة بحيث اتسمت بقوة الشخصية التدبيرية والقدرة على إنتزاع القرارات من المركز بما وفر آنذاك هامشاً أفضل للدفاع عن مصالح فلاحي الجهة، وخلق الدينامية التدبيرية الإيجابية والتي عادت بالنفع على القطاع ونسيجه ولو بشكل نسبي ،. مقارنة طبعا لها مرتكزاتها باعتبار ان الغرفة الجهوية حاليا فقدت جزءاً من وزنها التفاوضي ما جعل الجهة تتراجع في سلم الأولويات مقارنة بجهات أخرى أظهرت نخبها قدرة أكبر على الضغط والتأثير والتفاوض من أجل مصلحة القطاع… ،
كما ان هذا النقد لا يقف عند حدود الأداء الإداري التسييري بل يمتد إلى إثارة تساؤلات حول الحكامة المالية وطرق صرف الميزانيات بعدما طُرحت في الكواليس علامات إستفهام بشأن طبيعة الإنفاق المرتبط ببعض المعارض والندوات واللقاءات الجهوية، إذ يرى منتقدون أن الأثر الملموس لهذه الأنشطة على الفلاح البسيط يظل محدوداً مقابل كلفة تنظيمية مرتفعة…!
كما يثير ملف تجهيزات فلاحية سلمت للجمعيات المهنية، نقاشاً حول معايير الإستحقاق والشفافية في توزيع المعدات والدعم، وسط مطالب بالكشف عن لوائح المستفيدين واعتماد معايير واضحة ومعلنة تضمن تكافؤ الفرص وتبيان الشركات التي فازت بالصفقات كحق دستوري في ولوج الرأي العام للمعلومة !!،
وأمام هذه المعطيات تتعالى الأصوات بمطالب مشروعة عبر تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من خلال إيفاد لجان تدقيق للبحث في طرق صرف الميزانيات وتدبير الصفقات العمومية داخل الغرفة وإجراء افتحاص شامل لتقييم مدى نجاعة البرامج المسطرة مقابل النتائج المحققة على أرض الواقع، بإعتبار أن المطالبة بالتقصي ليست استهدافاً للأشخاص بل تجسيد لجوهر الممارسة التدبيرية السليمة وصوناً للمال العام وحقوق الفلاحين مع تطبيق القانون .
فالغرفة الفلاحية بجهة فاس-مكناس اليوم أمام امتحان حقيقي لاستعادة الثقة المفقودة عبر الانتقال من منطق التدبير المناسباتي إلى منطق الترافع القوي والمبادرات الفاعلة والتطويرية للقطاع والمكاشفة والشفافية ، لأن الفلاح بأقاليم الجهة لا ينتظر خطابات مناسباتية بل مؤسسة منتخبة قوية قادرة على حماية مكتسباته وتطوير قطاعاته المهنية في سياق فلاحي يتسم بتحديات مناخية واقتصادية متزايدة قادمة، والغرفة كما هو معلوم مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وهذا يعني قانونياً أن لها كيانها المالي الخاص وتخضع لقواعد المحاسبة العمومية، فهل سنرى هذه المحاسبة ؟ هذا هو السؤال …
** لنا عودة بشكل أدق في قضايا شركات تحويل وتصنيع القنب الهندي وما علاقتها بالغرفة الجهوية للفلاحة فاس – مكناس و الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي (ANRAC)

