مصطفى مجبر
ليس من السهل أن يفرض مسؤول ترابي حضوره في المجال العام خلال ظرف وجيز، لكن الأصعب من ذلك أن يتحول اسمه إلى عنوانٍ يتردد في الأحياء والمجالس والفضاءات العامة باعتباره رمزًا للحركية والانضباط. خلال سنة واحدة من تولي عبد الحميد المزيد مهامه عاملًا على الإقليم، لم يعد حضوره مجرد ممارسة إدارية، بل أصبح أسلوبًا في إدارة الشأن الترابي. لقد اختار أن يُجسّد سلطة الدولة في بعدها العملي، لا الرمزي؛ في الشارع، داخل الأوراش، وفي قلب الإشكالات المعقدة التي تتطلب قرارًا شجاعًا وحضورًا مباشرًا.
منذ الأيام الأولى، بدا واضحًا أن هناك فلسفة جديدة في التدبير: لا انتظار لتقارير مكتبية، ولا إدارة عن بُعد. حركية دائمة، زيارات مفاجئة، اجتماعات تنسيقية حازمة، وتتبع شخصي للتفاصيل. هذا الحضور أعاد تعريف معنى الهيبة: لم تعد الهيبة مرتبطة بالشكل أو البروتوكول، بل بالفعل والنتيجة. هيبة تقوم على القرب من المواطنين، والإنصات لمشاكلهم، واتخاذ القرار في اللحظة المناسبة.
من أبرز المحطات التي طبعت هذه المرحلة، ورش تحرير الملك العمومي في عدد من النقط السوداء. غير أن الفارق الحقيقي لم يكن في القرار ذاته، بل في منهج تنزيله. العامل انتقل شخصيًا إلى الميدان، تحاور مع الباعة المتجولين، استمع إلى انشغالاتهم، ثم فعّل القانون. لم يكن المشهد استعراضًا للقوة، بل ممارسة مسؤولة للسلطة: القانون يُطبَّق دون إهانة، والمجال يُنظَّم دون قطيعة اجتماعية. وهنا تجلت معادلة دقيقة بين الصرامة والكرامة، ما جعل العملية تمر في إطار من الانضباط والقبول، بدل الاحتقان.
الأزمات هي لحظة الحقيقة في أي تجربة تدبيرية. خلال فترات التقلبات الجوية ومشكل الفيضانات ببعض المناطق، برز حضور ميداني فوري، إشراف مباشر على عمليات التدخل، ومواكبة لإجلاء الساكنة عند الضرورة. لم يكن الأمر مجرد تنسيق إداري، بل تواجدًا فعليًا في عين المكان. وفي مثل هذه اللحظات، تُقاس القيادة بمدى القرب من المواطنين لا بعدد البلاغات.
إقليم القنيطرة يُعد من أكبر وأصعب الأقاليم، بثقله الاقتصادي والصناعي وموقعه الاستراتيجي. تدبير هذا المجال يتطلب صرامة قانونية، قدرة على التنسيق بين مؤسسات متعددة، وحسًا تدبيريًا يوازن بين التنمية والانضباط. وإسناد هذه المسؤولية يعكس حجم الثقة في الكفاءة والتجربة، لأن القنيطرة ليست محطة عابرة، بل رهان إداري كبير.
قبل القنيطرة، راكم عبد الحميد المزيد تجربة بإقليم إفران، المدينة المعروفة بانضباطها وتنظيمها الخاص. غير أن الانتقال إلى إقليم صناعي نابض بالحركية كالقنيطرة شكّل تحديًا مختلفًا في طبيعته وحجمه. ومع ذلك، حافظ على نفس الفلسفة: انضباط إداري، حضور ميداني، وتسريع للحسم في الملفات العالقة. الاختلاف كان في حجم الإكراهات، لا في منهج العمل.
إلى جانب الصرامة، يبرز بعدٌ إنساني في شخصية المسؤول. الذين عرفوه عن قرب يتحدثون عن رجل يُوازن بين الحزم والإنسانية، بين القرار والاعتبار، بين الواجب والإحساس. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس فقط بمدى تطبيق القانون، بل بقدرة عبد الحميد المزيد على احترام الناس وهو يطبقه. وهنا يكمن سرّ الصورة التي تشكلت لدى فئات واسعة من الساكنة: مسؤول حازم، لكن بوجه إنساني.
في الثقافة ساكنة القنيطرة، من النادر أن تُجمع الساكنة على الثناء على مسؤول. لكن حين يلمس المواطن: تحسنًا في النظام العام، تراجعًا للفوضى، سرعة في التفاعل مع الأزمات، حضورًا دائمًا للمسؤول الأول، فإن المزاج العام يتغير. الأمر لا يتعلق بحملات تواصلية، بل بإحساس عملي بأن الإدارة تتحرك، وأن القرار يُنفذ، وأن هناك من يتابع التفاصيل بنفسه.
ما تعيشه القنيطرة اليوم ليس مجرد حركية ظرفية، بل ملامح تحول في نمط الحكامة الترابية. قيادة ميدانية، صرامة قانونية، بعد إنساني، وتدبير يقظ للأزمات. إنها معادلة دقيقة: أن تكون حازمًا دون قسوة، قريبًا دون ضعف، حاضرًا دون استعراض. وفي هذا التوازن تحديدًا تتشكل صورة عبد الحميد المزيد الذي لا يكتفي بتوقيع القرارات، بل يترك أثرًا في المجال وفي ذاكرة الناس.

