مصطفى مجبر
فاس، العاصمة العلمية للمملكة، تستمر في ابتلاع مليارات الدراهم دون أن يلمس سكانها أي أثر حقيقي على حياتهم اليومية. عشرات الدور الآيلة للسقوط، التي يفترض أن تكون موقتة ومدعمة فقط للحماية، تحولت مع مرور السنوات إلى مشاهد مألوفة على امتداد أزقتها الضيقة، بينما ملايين الدراهم رُصدت في برامج تطوير وترميم المدينة العتيقة، بما فيها مشاريع خاصة بالمباني المهددة بالانهيار. بين عامي 2010 و2025، استثمرت السلطات حوالي ثلاثة مليارات درهم في تنفيذ ما يقارب 399 مشروعاً وتأهيل 4,671 مبنىً مهدداً بالانهيار، في محاولة للحفاظ على التراث العمراني وتحسين البنى التحتية، إلا أن النتائج على الأرض لا تعكس حجم الأموال المنفقة، فالأزقة ما زالت تهتز تحت خطورة المباني، والدور المهجورة تضيع فيها الأرواح بين الجدران المتصدعة.
في إطار برنامج التنمية الجهوية لفاس–مكناس، رُصد حوالي 1.26 مليار درهم لأعمال التأهيل والتطوير، منها 100 مليون درهم مخصصة بشكل صريح لمعالجة المباني المهددة بالانهيار، لكن يبدو أن هذا التمويل الكبير لا يغير شيئاً من واقع هشاشة السكن أو المخاطر اليومية التي تواجهها الأسر، وهو ما أكدت عليه حادثة انهيار بنايتين في حي المسيرة ديسمبر الماضي، والتي أعادت القضية إلى واجهة النقاش العمومي. الساكنة التي تعيش تحت وطأة الترقّع المستمر، باتت تتساءل عن جدوى هذه الأموال: من المستفيد فعلاً؟ لماذا لا ترى النتائج ملموسة على مستوى السلامة والجمالية؟ وكيف يمكن أن تتحول هذه البرامج التي صُممت لتكون مؤقتة، إلى سنوات طويلة من الدعائم الحديدية والخشبية التي تشوه المدينة وتستنزف المال العام دون فائدة حقيقية؟
المال ليس المشكلة، بل الفشل في المنهجية والرقابة، فالتدعيم لا يعالج الأسباب الحقيقية لتدهور المباني، ولا يمنح السكان شعوراً بالأمان. المدينة التي يفترض أن تكون نموذجاً للعمارة التاريخية والتراث الحضري، ما زالت تعيش بين مشاريع ترقيعية ومبادرات موسمية لا تعالج الأزمة الجذرية. صبر الساكنة نفد، وكرامة المدينة التاريخية في خطر. المطالبة اليوم ليست مجرد شعارات، بل شفافية ومحاسبة حقيقية وضمان أن تتحول الأموال الضخمة من مشاريع ترقيعية إلى حلول دائمة تحمي الأرواح، تحفظ التراث، وتعيد لفاس رونقها كعاصمة علمية وجوهرة حضارية للمغرب.

