تاونات… عنطزة المال تغتال ضمير السياسة والمواطن يدفع الثمن

Screenshot
Screenshot

يونس لكحل     

  • بجل ربوع إقليم  تاونات الذي تحوّل بفعل التساقطات المطرية الاستثنائية إلى مسرح مأساوي، حيث الفيضانات والبرد والعزلة المتشابكة، والتي عرَّت الوجه الحقيقي لممارسة سياسية تدبيرية مريضة لسنوات ، إذ بينما كان المواطن البسيط، أو ما بات يُطلق عليه “الدرويش”، يصارع الطبيعة بوسائل شحيحة وأمل هش، كان عدد من المسؤولون الذين يفترض فيهم قيادة الأزمة، يغيبون عن الميدان طيلة أسابيع، محتفظين بدفء الفنادق المصنفة في فاس والرباط، يلهون بترفهم، بينما المعاناة الحقيقية تُقاس بالثلوج والعزلة والفيضانات. هذا الغياب ليس مجرد تقصير، بل هو إعلان صريح عن عقلية استعلائية ترى في السياسة امتيازاً طبقياً، وفي المواطن رقمًا انتخابياً موسميًا، بينما يُستحضر النفاق الاجتماعي والازدواجية في كل وعد معسول يُسكب في المحافل، بينما الواقع اليومي يُقطّر تهميشًا وإقصاءً. في هذه العقلية، يتحول “اهمال قضايا الناس ومعاناتهم ” إلى ذكاء سياسي وحنكة سياسية بعيدة الرؤى والأهداف – فهؤلاء مجرد مواطنين من الدرجة الثالثة اتركهم يعانون في فقرهم وحاجتهم فالانتخابات اقتربت وسيتم شراءهم بالقليل من المال عبر صكوك الغفران – ، هذا الفكر البئيس يكشف عن أعراض أزمة أخلاقية ترى في التَّلَذُّذ بمعاناة الناس ومآسيهم مصدراً للقوة … ، وفي اتساع الفوارق الاجتماعية فرصة للهيمنة والسيطرة .
    وفي مقابل هذا الخزي السياسي، برزت السلطات الإقليمية في الميدان، حيث كان عامل الإقليم، بصفته رئيس لجنة اليقظة، إلى جانب السلطات المحلية، يواجهون صعوبات فتح الطرق وفك العزلة وتدبير الطوارئ، ليكشف المشهد التباين الصارخ بين من اختار تكليف الدولة وواجبها، ومن اختار الترف والانفصال عن نبض الواقع، ليظهر بجلاء أن السلطة السياسية بالنسبة للبعض مجرد وسيلة لتنمية الأرصدة وركوب السيارات الفارهة ونظرة دونية لمواطن لا يُرى فيه سوى “درويش” لا يرقى إلى الاهتمام.
    ما وقع في تاونات إذن، ليس سقطة عابرة، بل إعلان إفلاس سياسي كامل، خيانة للأمانة التمثيلية واختبار فاشل لخطاب القرب والإنصات، إذ لا يمكن اعتبار القهقهة في الفنادق الفاخرة بينما المواطن يواجه الثلج والفيضانات مجرد سوء تقدير. فالأزمة كشفت عن “ورم” بنيوي، لم تعد تُجدي معهم مسكنات الوعود ولا بلاغات التبرير، بل يستدعي الانتقال من التذمر الصامت إلى فعل جماعي واعٍ، يبدأ بفضح ازدواجية الخطاب عبر التوثيق وتحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى مرصد شعبي يسجل الغياب والتقصير، ويحوّل الذاكرة الفردية الهشة إلى ذاكرة جماعية صلبة، مروراً بتفعيل العقاب الانتخابي الواعي، وصولاً إلى المقاطعة الرمزية والاجتماعية التي تسحب من هذه الفئة رأسمالها الحقيقي القائم على الوجاهة والتعالي الطبقي، لأن السياسي المتعجرف حين يدرك أن المال لا يشتري الاحترام، وأن الغطرسة بضاعة كاسدة، سيكتشف متأخراً أن السلطة بلا شرعية أخلاقية مجرد عبء ثقيل، وأن الاحتماء بالأرصدة البنكية وتجاهل معاناة الساكنة ليس سوى جبن سياسي مغلف باللامعنى.
    وعلى الساكنة بإقليم تاونات وغيره من الأقاليم   أن تدرك أن هؤلاء “المرضى بالتعالي بالمال” ليسوا قدراً محتوماً، بل ظاهرة عابرة يمكن كنسها بوعي جماعي رافض لأن تُباع معاناته في مزاد الانتهازية، ليعود للسياسة معناها الأصيل، خدمةً للإنسان لا احتقاراً له، وإقراراً بأن الكرامة والمبادئ أسمى من الأرصدة البنكية وأقوى من الغطرسة الطبقية، فالتاريخ لن يرحم من خانوا الثقة، ولن ينسى من اختاروا الإختباء حينا والمتاجرة بقضايا الناس أحايين كثيرة …
الاخبار العاجلة