يونس لكحل -المغرب العربي بريس
لم تكن التساقطات المطرية الأخيرة التي عرفها إقليم تاونات حدثًا استثنائيًا في حدّ ذاتها، بقدر ما كانت اختبارًا حقيقيًا لجودة البنية التحتية الطرقية بالإقليم، اختبارًا سرعان ما كشف هشاشة مقلقة، وعرّى واقعًا صادمًا من الاختلالات التي ظلت لسنوات تُوارى خلف حلول ترقيعية ومشاريع فاقدة للاستدامة بالرغم من الميزانيات الضخمة بملايير والتي صرفت فتبخرت بوجود هكذا واقع مزري ومخيب .
شبكة طرقية بالاسم فقط بحيث تعاني عشرات المقاطع الطرقية التي تربط الجماعات الترابية بعاصمة الإقليم من اهتراء غير مسبوق، جعل التنقل اليومي للسكان محفوفًا بالمخاطر، بل ومهددًا للعزلة في كل موسم مطري. فبمجرد أولى التساقطات، تحولت طرق حديثة الإنجاز لم يمضِ على إحداث بعضها سوى سنتين أو أقل إلى مسالك محفّرة ومقطوعة ، تغيب عنها شروط السلامة والجودة، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير الإنجاز والمراقبة.
فما كشفته الأمطار الاستثنائية كقوة طبيعة، أظهر ضعفا في التدبير وغياب الرقابة القبلية، وعجز الجهات المعنية، وعلى رأسها المديرية الإقليمية للتجهيز والماء بتاونات، عن مواكبة الوضع حتى على مستوى التواصل. فباستثناء الصمت، لم يصدر أي توضيح رسمي يشرح للرأي العام أسباب هذا الانهيار السريع، ولا يحدد المسؤوليات، ولا يعلن عن إجراءات استعجالية لحماية مستعملي الطرق.
هذا الصمت لا يمكن فصله عن ثقافة الإفلات من المساءلة، حيث تُنجز المشاريع، تُصرف الميزانيات، ثم تُترك الطرق لمصيرها، دون تتبع أو تقييم للأثر.
والأكثر إثارة للاستغراب أن عددًا من هذه الطرق خضع، في فترات قريبة، لأشغال إصلاح رُصدت لها اعتمادات مالية مهمة. غير أن هذه الأشغال، التي لم تتجاوز في كثير من الأحيان منطق “الترقيع المؤقت”، سرعان ما انهارت مع أول اختبار مناخي، لتعود الطرق إلى وضع أسوأ مما كانت عليه، وكأن شيئًا لم يُنجز.
ويكفي التوقف عند نماذج صارت حديث مستعملي الطريق، من بينها:
الطريق في اتجاه جماعة أوطابوعبان،
الطريق الرابطة بين تيسة ورأس ألواد،
والمحاور المؤدية إلى عين عائشة وعين معطوف وغيرها كثير بقرية با محمد وغفساي وبوعروس ..
هذه المقاطع تحولت إلى دليل مادي على فشل المقاربة المعتمدة، وعلى غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة، لتتحول لكلفة اجتماعية واقتصادية باهظة، لا تقتصر تداعيات هذا الوضع على الجانب التقني، بل تمتد إلى تكلفة اجتماعية واقتصادية ثقيلة: حوادث سير متكررة، خسائر مادية، تعطيل لحركة النقل والتجارة، وصعوبة ولوج المواطنين إلى الخدمات الصحية والإدارية، ناهيك عن عزل الدواوير في فترات الذروة المطرية.
هذا و عبّر عدد من مستعملي هذه الطرق وساكنة المناطق المتضررة ، في تصريحات متطابقة، عن سخطهم واستيائهم العميق، معتبرين أن الوضع بلغ حدًا لم يعد السكوت عنه ممكنًا، في ظل غياب أي مؤشرات على معالجة جذرية للمشكل وربط المسؤولية بالمحاسبة… من خلال تحقيق مساءلة حقيقية.
فما يعيشه إقليم تاونات اليوم يفرض، بإلحاح، فتح تحقيق جدي ومستقل في مشاريع الطرق المنجزة، للوقوف على:
جودة الدراسات التقنية،
مدى احترام دفاتر التحملات،
طبيعة المواد المستعملة،
وأدوار المراقبة والتتبع.
فالأمطار، مهما اشتدت، لا يمكن أن تكون شماعة تُعلّق عليها إخفاقات التدبير، ولا مبررًا لانهيار طرق حديثة العهد. وحدها المساءلة والشفافية كفيلتان بإعادة الثقة، وضمان حق الساكنة في بنية تحتية تليق بكرامتها وتؤمن سلامتها…

