تتجه جبهة البوليساريو، التي تتخذ من تندوف الجزائرية مقرًا لها، نحو عقد اجتماع “حاسم” يوم السبت المقبل، وذلك وسط أجواء داخلية مشحونة بالتوتر والانقسام.
تتناقل أبواق الجبهة الانفصالية أن هذا الاجتماع سيناقش مصير المؤتمر العام القادم، مع ترجيحات قوية باتخاذ قرار إما بتأجيله إلى أجل غير مسمى، أو بتمديد ولاية القيادة الحالية لعام إضافي.
يأتي هذا التطور في لحظة دقيقة، تشهد فيها المخيمات تصاعدًا في مظاهر الاحتقان والأصوات المنتقدة لغياب التداول القيادي واستمرار نفس النخبة في قيادة التنظيم منذ عقود.
يرى عدد من المراقبين أن هذا الاجتماع يُؤشر على عمق الأزمة التي تعاني منها البوليساريو على المستويين التنظيمي والسياسي، في ظل ارتباك واضح في تحديد ملامح المرحلة المقبلة، وضعف قدرتها على تعبئة قواعدها في سياق إقليمي ودولي متغير.
كما أنها لم تتمكن حتى الآن من تقديم جدول أعمال واضح للمؤتمر أو تاريخ تنظيمه، رغم أنه كان متوقعًا في النصف الأول من هذا العام.
تواجه الجبهة انكماشًا غير مسبوق في قنوات دعمها السياسية والإعلامية، مقابل حالة من العزلة المتزايدة، خاصة بعد تراجع مستوى التنسيق مع النظام الجزائري.
يبدو أن الجزائر لم تعد تولي نفس الزخم لملف البوليساريو كما كان في السابق، بل بدأت تُظهر نوعًا من التحفظ في تدبير هذا الملف داخليًا، خصوصًا على الجانب المالي.
يُسلط عبد الفتاح البلعمشي، أستاذ العلاقات الدولية ورئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، الضوء على هذه التحولات، مشيرًا إلى أن الجبهة تمر بمرحلة دقيقة تتسم بتصاعد الخلافات الداخلية وتفاقم التوترات بين مكوناتها، نتيجة لسلسلة من الإخفاقات التي طالت أطروحتها الانفصالية، مقابل تحولات إقليمية ودولية متسارعة أضعفت موقعها السياسي والدبلوماسي.
ويُضيف البلعمشي في تصريح لـ مصدر إعلامي أن من أبرز مظاهر الأزمة تصاعد الاحتقان الداخلي نتيجة شعور مكونات أساسية بالتهميش، مما دفع بعض الفاعلين للبحث عن توازنات جديدة خارج المسارات التقليدية، وبروز تقارير تشير إلى ارتباط عناصر قيادية بحركات إرهابية، بالإضافة إلى تفاقم الاختلالات المرتبطة بالمتاجرة بالمساعدات الإنسانية.
كما يؤكد أن العلاقة بين قيادة البوليساريو والنظام الجزائري لم تعد كما كانت، مما زاد من عزلة الجبهة وعجزها عن احتواء التصدعات المتنامية في صفوفها.
من جهته، يقدم ددي بيبوط، الباحث في التاريخ المعاصر والحديث، قراءة تاريخية وبنيوية للأزمة، مشددًا على أن عقودًا من الفشل السياسي والعجز التعبوي والانتهاكات الممنهجة داخل المخيمات قد أفقدت التنظيم أفقه السياسي وأضعفت صدقيته.
ويُبرز أن الخطاب الذي تروجه البوليساريو لم يعد يواكب التحولات الجارية، في ظل بنية تنظيمية مغلقة قائمة على الإقصاء والتمييز، وعلاقة مصلحية متوترة مع النظام الجزائري، مما يضع الجبهة أمام مفترق طرق حاسم، عنوانه الأبرز اهتزاز مشروعها وتفكك بنيتها من الداخل.
ويُضيف بيبوط، ضمن تصريح لـ مصدر إعلامي، أن الجبهة تبحث باستمرار عن أي فرصة لتلطيف أجواء الاحتقان السائد في المخيمات وخارجها، نتيجة عقود من الفشل والانتهاكات التي مست كافة الشرائح الاجتماعية في تندوف.
ويُشدد على أن قضاء خمسة عقود في محاولة الإساءة للمغرب، وتفتيت هويته، مكن البوليساريو من احتجاز الآلاف من الصحراويين، بحقنهم بأفكار سامة لإقناعهم بالبقاء في صحراء الحمادة دون التفكير في بدائل.
يؤكد بيبوط أن السياق الحالي يختلف جذريًا عن المراحل السابقة، بسبب توالي الأخطاء والهزائم الميدانية، وتمرد المحتجزين في تندوف على سرديات أثبتت فشلها.
يضاف إلى ذلك غياب الشرعية التمثيلية للجبهة، في ظل بروز حركات وممثلين جدد يحظون باحترام الصحراويين، ويقفون غالبًا إلى جانب مقترح الحكم الذاتي ويعلنون ولاءهم للمملكة المغربية.
في الختام، يؤكد ددي بيبوط في حديثه لـ مصدر إعلامي أن تمسك البوليساريو بتأجيل مناقشة التحديات الداخلية ومؤتمرها، ليس إلا مراوغة جديدة تهدف إلى احتقار ذكاء الصحراويين وإعادة إنتاج خطاب المظلومية، من أجل استدامة تحكم قيادتها في مشروع انفصال ميت، ورهن مصائر آلاف الصحراويين لمزيد من العقود، في ظل لامبالاة جزائرية بتكلفة الوضع القائم، ودعمها المتواصل لمحاولات البوليساريو لإجهاض عملية السلام، رغم تزايد زخم الاعتراف الدولي بجدية المقترح المغربي للحكم الذاتي.

