جواد جعواني
جاء بلاغ الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية المغربية بشأن أحداث العبور الجماعي نحو سبتة ليقدم الرواية الرسمية لما وقع، ويحدد بعض العوامل المباشرة التي ساهمت في تحريك آلاف الأشخاص نحو الحدود، مثل الشائعات المتداولة على المنصات الرقمية، والمعلومات المضللة، واستغلال شبكات الاتجار بالبشر، وسوء فهم بعض القرارات الإسبانية المتعلقة بأوضاع المهاجرين.
ولا يمكن التقليل من أهمية هذه العناصر في تفسير توقيت الأحداث وحجمها، لكن الاقتصار عليها يجعل البلاغ يشرح كيف تحركت الحشود، من دون أن يجيب عن السؤال الأهم: لماذا كان هذا العدد الكبير من الشباب مستعدًا أصلًا للمخاطرة بحياته ومغادرة بلده بهذه الطريقة؟
يتعامل البلاغ مع الأحداث أساسًا باعتبارها نتيجة تضليل رقمي ونشاط شبكات منظمة وعوامل مرتبطة بالجانب الإسباني، وهو ما ينقل مركز المسؤولية من الداخل الاجتماعي والاقتصادي المغربي إلى أطراف خارجية أو مجهولة. غير أن الإشاعة، مهما بلغت قوتها، لا تخلق الرغبة في الهجرة من العدم، بل تستثمر شعورًا سابقًا بالانسداد وفقدان الأمل.
كان النداء الرقمي مجرد شرارة، أما الأسباب البنيوية فتوجد في البطالة، وهشاشة الشغل، وارتفاع كلفة المعيشة، وضعف الخدمات الاجتماعية، والتفاوتات المجالية، وتراجع الثقة في المؤسسات وفي إمكانية تحقيق الارتقاء الاجتماعي. وتؤكد معطيات سوق الشغل أن البطالة أكثر انتشارًا وسط الشباب، كما أن عددًا كبيرًا من المشتغلين يوجدون في أوضاع مهنية غير مستقرة لا تضمن لهم حياة كريمة.
لذلك لا ينبغي النظر إلى الشباب الذين توجهوا نحو سبتة باعتبارهم مجرد ضحايا إشاعة. فقرار الهجرة، حتى عندما يكون جماعيًا ومندفعًا، يعبر أيضًا عن موقف اجتماعي وسياسي ضمني. عندما يختار آلاف الشباب عبور البحر أو الحدود، فإنهم يعلنون عمليًا أنهم لم يعودوا يثقون في قدرتهم على بناء مستقبل داخل بلدهم. إنهم يمارسون نوعًا من «التصويت بالأقدام»، فبدل التعبير من خلال الأحزاب والنقابات والمؤسسات، يختارون المغادرة.

وهنا تظهر أزمة أعمق من أزمة الحدود، هي أزمة الثقة. فقد عبّرت فئات شبابية خلال السنوات الأخيرة عن مطالب مرتبطة بالشغل، والصحة، والتعليم، والعدالة الاجتماعية، لكن تراجع قدرة الأحزاب والنقابات على تمثيل هذه التطلعات جعل جزءًا من الشباب يشعر بأن صوته غير مسموع، وأن الاجتهاد الدراسي أو المهني لا يقود بالضرورة إلى الاستقرار أو الترقي الاجتماعي.
ومن اللافت أن البلاغ صدر عن وزارة الداخلية وحدها، في غياب خطاب حكومي سياسي واجتماعي موازٍ. كان يفترض أن تحضر قطاعات التشغيل والشباب والتعليم والإدماج الاجتماعي في النقاش، لا أن ينحصر تدبير الحدث في وزارة الداخلية والقوات المكلفة بمراقبة الحدود.
فحين تختزل الأزمة في بعدها الأمني، يتحول الشباب من مواطنين يعانون أوضاعًا اجتماعية صعبة إلى مجرد أشخاص حاولوا خرق الحدود، وتحل لغة المنع والضبط محل لغة الإنصات والتشخيص والمساءلة.
كما أن تأخر الرواية الرسمية المغربية خلال الأيام الأولى أتاح المجال للشائعات والتقديرات المتضاربة، مع أن البلاغ نفسه اعتبر التضليل الرقمي أحد أسباب الأحداث. وهنا تبرز مفارقة واضحة: لا يمكن للسلطات أن تنتقد الفراغ المعلوماتي الذي تستغله الشائعات، ثم تتأخر في تقديم معلومات دقيقة والتواصل المباشر مع الرأي العام.
وبموازاة ذلك، بدا حضور الأحزاب السياسية باهتًا. فلم تظهر مبادرات قوية لمساءلة الحكومة أو اقتراح إجراءات عاجلة لمعالجة أزمة الشباب. وكان من المفترض أن تشكل واقعة بهذا الحجم موضوعًا لاجتماعات طارئة ونقاش عمومي حول البطالة والهجرة والتنمية في المناطق الشمالية، لكن الطبقة السياسية بدت متلقية للأحداث بدل أن تكون فاعلًا فيها.
ولا يتعلق هذا الصمت بضعف التواصل فقط، بل يعكس أزمة في الوساطة السياسية. فحين تصبح تدوينة مجهولة أكثر تأثيرًا في الشباب من خطاب حزب أو مؤسسة منتخبة، فذلك يعني أن أزمة الثقة بلغت مستوى خطيرًا. ولا يكفي اتهام المنصات الرقمية بنشر الشائعات، بل ينبغي التساؤل عن الأسباب التي جعلت المواطن يصدق حسابًا مجهولًا أكثر مما يصدق الحكومة أو الإعلام العمومي.
كما أظهرت الأحداث قصورًا في تعامل الإعلام الرسمي والعمومي مع الأزمة. ففي الوقت الذي كانت فيه وسائل الإعلام الإسبانية والدولية تنقل الصور والمعطيات والتصريحات، ظل الحضور الإعلامي المغربي محدودًا ومتأخرًا مقارنة بحجم الواقعة.
واضطر جزء من الجمهور إلى متابعة القنوات الأجنبية للحصول على الأخبار، وهو ما منح المصادر الإسبانية والدولية موقعًا مهيمنًا في صياغة الرواية الأولى للأحداث. وكان يفترض بالإعلام العمومي أن يقدم المعلومة المؤكدة، ويفتح نقاشًا مع خبراء في الاقتصاد وعلم الاجتماع والهجرة، ويستمع إلى أسر الشباب وسكان المناطق المعنية، بدل الاكتفاء بقراءة البلاغات بعد صدورها.
ومن أوجه النقص الأخرى أن البلاغ تحدث عن الأعداد والإجراءات الأمنية والتنسيق مع إسبانيا، لكنه لم يمنح الشباب أنفسهم مكانًا في الرواية. فلا نعرف من هم، ومن أين قدموا، وما أوضاعهم الاجتماعية والدراسية، ولماذا قرروا الرحيل. وهكذا يتحول الإنسان إلى رقم أمني، وتتحول المأساة إلى حصيلة تقنية.
وفي المحصلة، لم يقل البلاغ لماذا فقد آلاف الشباب ثقتهم في مستقبلهم داخل المغرب. لم يتحدث عن البطالة والشغل الهش وارتفاع الأسعار وصعوبة الاستقلال الاقتصادي، ولم يطرح مسؤولية الحكومة في السياسات الاجتماعية، ولا مسؤولية الأحزاب في تراجع الوساطة، ولا مسؤولية الإعلام العمومي في ترك المجال للشائعات والمصادر الأجنبية.
كما لم يقدم رؤية لما بعد التدخل الأمني. فماذا سيحدث للشباب الذين أعيدوا؟ هل ستقتصر المعالجة على المتابعة والمنع، أم ستتم دراسة أوضاعهم وإدماجهم في برامج فعلية للتكوين والتشغيل؟
من واجب الدولة حماية الحدود ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر ومنع عمليات العبور التي تهدد حياة المواطنين، لكن حماية الحدود لا يمكن أن تكون بديلًا عن حماية الأمل. فكلما عولجت الهجرة فقط بالأجهزة الأمنية والأسوار، عادت في شكل جديد، لأن أسبابها تبقى قائمة.
إن الاختبار الحقيقي بعد أحداث سبتة لا يتمثل أساسا في منع موجة عبور جديدة، إنما في قدرة الدولة والحكومة والأحزاب والإعلام على فهم الرسالة التي حملتها هذه الموجة، بحيث أن جزء مهم من الشباب لم يعد يرى في وطنه فضاءً كافيًا لتحقيق الكرامة والطموح.
ولهذا، فإن البلاغ الرسمي، رغم أهميته في تقديم بعض المعطيات، يبقى ناقصًا لأنه يعالج نتائج الأزمة أكثر مما يعالج أسبابها. والمطلوب ليس فقط بلاغًا أمنيًا يشرح ما وقع عند الحدود، إنما نقاش وطني صريح يفسر لماذا أراد هذا العدد الكبير من المغاربة تجاوزها.

