بقلم: ذ. مصطفى مجبر
في مناسبة وطنية عزيزة على قلوب جميع المغاربة، هي الذكرى السابعة والعشرون لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله على عرش أسلافه المنعمين، وجه رئيس مجلس جماعة فاس دعوة إلى ممثلي الصحافة الجهوية والإعلام المحلي لحضور الحفل الفني الذي تنظمه الجماعة احتفاءً بهذه المناسبة المجيدة.
ولا شك أن الاحتفاء بعيد العرش المجيد يجسد أسمى معاني الوفاء والالتحام بين العرش والشعب، وهي مناسبة تسمو فوق كل الحسابات. غير أن هذه الدعوة، رغم رمزيتها، تثير تساؤلات مشروعة بشأن توقيتها ودلالاتها، خاصة وأن خمس سنوات من عمر الولاية الحالية مرت دون أن تشهد مبادرة مماثلة تجمع المجلس الجماعي بالإعلام المحلي في هذا الإطار.
فلماذا الآن؟
هل هو اعتراف متأخر بأهمية الإعلام المحلي كشريك في التنمية المحلية وصناعة الرأي العام؟ أم أنه محاولة لفتح صفحة جديدة مع الصحافة بعد سنوات اتسمت، في نظر عدد من المتتبعين، بضعف التواصل المؤسساتي؟ أم أن الأمر مجرد نشاط بروتوكولي فرضته المناسبة الوطنية لا أكثر؟
التساؤلات لا تقف عند هذا الحد.
فإذا كان الإعلام المحلي شريكًا أساسيًا في نقل هموم الساكنة ومواكبة أوراش المدينة، فلماذا ظل طوال السنوات الماضية يشتغل في كثير من الأحيان بعيدًا عن سياسة تواصلية واضحة مع المجلس الجماعي؟ ولماذا لم تبادر الجماعة إلى تنظيم لقاءات دورية مع الصحافة لعرض حصيلة عملها، والإجابة عن الأسئلة التي تشغل الرأي العام؟
والأهم من ذلك، هل فكر المجلس يومًا في دعم الإعلام المحلي، ليس بالمعنى المادي، وإنما من خلال توفير المعلومة في وقتها، وتسهيل ولوج الصحفيين إليها، واحترام حقهم في أداء رسالتهم المهنية؟ فالصحافة المحلية كانت، وما تزال، حاضرة في كل تفاصيل المدينة؛ تنقل المنجزات كما ترصد الاختلالات، وتواكب الأحداث رغم محدودية الإمكانيات والإكراهات التي تواجهها.
وهل سيكون هذا اللقاء مناسبة حقيقية للاستماع إلى انشغالات الجسم الإعلامي، أم سيقتصر على التقاط الصور وتبادل عبارات المجاملة؟
ثم إن سؤالًا آخر يفرض نفسه: هل ستتعامل الجماعة مع جميع المنابر الإعلامية بالمعيار نفسه، بعيدًا عن أي انتقائية أو تفضيل، أم أن بعض المنابر ستكون أوفر حظًا من غيرها في الاهتمام والتقدير؟
ما ينتظره الإعلاميون في فاس ليس دعوة موسمية لحضور حفل، بل علاقة مؤسساتية دائمة تقوم على الانفتاح والاحترام المتبادل وحق الوصول إلى المعلومة. فالصحافة ليست ديكورًا للمناسبات الرسمية، وليست مجرد عدسة لتوثيق الأنشطة، بل هي شريك في ترسيخ الحكامة الجيدة، ومكون أساسي في التنمية المحلية، وجسر يربط المؤسسات بالمواطن.
لذلك، فإن قيمة هذه المبادرة لن تُقاس بجمالية الحفل أو عدد المدعوين، بل بما ستتركه من أثر بعد انتهاء الاحتفال. فإذا كانت هذه الدعوة بداية لنهج جديد في التواصل مع الإعلام المحلي، فإن الجميع سيباركها ويعتبرها خطوة في الاتجاه الصحيح. أما إذا بقيت مجرد محطة بروتوكولية عابرة، فإن الأسئلة نفسها ستظل مطروحة، وسيبقى الإعلام ينتظر أكثر من بطاقة دعوة… ينتظر شراكة حقيقية قائمة على الثقة والشفافية واستمرارية التواصل.
فاس اليوم ليست في حاجة إلى مناسبات عابرة بقدر حاجتها إلى مؤسسات تؤمن بأن الإعلام الحر والمسؤول ليس خصمًا، بل رافعة من روافع التنمية، وشريكًا في بناء مدينة تستحق أن تكون في مستوى تاريخها ومكانتها.

