عندما يتحول الماء من حق دستوري إلى وسيلة للضغط
في دوار النزالة، التابع لجماعة تسلطانت، لم يعد الحديث عن الماء الصالح للشرب يقتصر على ندرة الموارد أو صعوبات التزويد، بل امتد إلى اتهامات خطيرة تتعلق باستغلال هذا المرفق الحيوي في صناعة النفوذ السياسي، وفرض الولاءات، وتحويل بعض الجمعيات إلى أدوات للتأثير على الساكنة، في مشهد يطرح أسئلة ملحة حول دور الجهات الوصية وآليات المراقبة والمحاسبة.
فبينما ينص الدستور المغربي على أن الحق في الماء من الحقوق الأساسية، تؤكد شهادات متطابقة استقتها الجريدة من عدد من سكان الدوار أن الحصول على هذه الخدمة أصبح، في بعض الحالات، مرتبطًا باعتبارات لا علاقة لها بالقانون أو بالمساواة بين المواطنين، بل بما يوصف بـ”الولاء” لجهات نافذة داخل بعض الجمعيات.
أكثر من خمس جمعيات… لكن أين الشفافية؟
بحسب المعطيات المتوفرة، تتولى أكثر من خمس جمعيات مهمة تزويد ساكنة دوار النزالة بالماء الصالح للشرب، غير أن تدبير عدد منها، وفق تصريحات عدد من المواطنين، يثير الكثير من علامات الاستفهام.
ويتساءل السكان عن مصير المداخيل المتحصلة من بيع الماء ورسوم الانخراط، في ظل غياب نشر التقارير المالية، وعدم اطلاع المنخرطين على الميزانيات، أو عقد جموع عامة منتظمة تتيح مراقبة التسيير ومحاسبة المسؤولين.
ويؤكد عدد من المتحدثين أن بعض هذه الجمعيات أصبحت، عمليًا، وكأنها مشاريع خاصة يهيمن عليها أفراد معدودون، بعيدًا عن روح العمل الجمعوي القائم على التطوع والشفافية وخدمة الصالح العام.
هل أصبح الماء أداة للعقاب والمكافأة؟
من أخطر ما كشفته الشهادات التي توصلت بها الجريدة، ادعاءات تفيد بأن التزود بالماء قد يخضع أحيانًا لمنطق الولاء، حيث يتحدث مواطنون عن تعرضهم لقطع الماء أو التضييق عليهم بعد خلافات مع منتخبين أو مسؤولين عن بعض الجمعيات.
كما يؤكد عدد من السكان أن الاعتراض على طريقة تدبير الجمعية، أو المطالبة بالاطلاع على الحسابات المالية، قد يضع صاحبه في مواجهة ضغوط مختلفة، وهو ما يستوجب، إن ثبتت صحته، فتح تحقيق عاجل من طرف السلطات المختصة.
دعم عمومي… ولكن وفق أي معايير؟
في المقابل، تستفيد بعض الجمعيات، وفق معطيات محلية، من تجهيزات ودعم عمومي يشمل الأنابيب، ومضخات المياه، وحفر وتجهيز الآبار.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يتم توزيع هذه التجهيزات بناء على دراسات تقنية وحاجيات فعلية، أم وفق اعتبارات سياسية وانتخابية؟
وهل تخضع المشاريع المنجزة لافتحاص مالي وتقني يضمن حسن استعمال المال العام؟
أسئلة مشروعة، خصوصًا وأن المال العمومي يقتضي أعلى درجات الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أين دور جماعة تسلطانت؟
رغم أن توفير الخدمات الأساسية يدخل ضمن اختصاصات الجماعة في إطار القوانين المنظمة، يرى عدد من الفاعلين المحليين أن مجلس جماعة تسلطانت مطالب بممارسة رقابة فعلية على الجمعيات المستفيدة من الدعم العمومي، وضمان عدم استغلال هذا القطاع الحساس في أي صراعات سياسية أو انتخابية.
ويعتبر هؤلاء أن ترك تدبير الماء دون مراقبة صارمة يفتح الباب أمام ممارسات قد تمس بحقوق المواطنين، وتفقد العمل الجمعوي أهدافه النبيلة.
مطالب بفتح تحقيق شامل
أمام هذه المعطيات، تتزايد الدعوات إلى تدخل السلطات المحلية من أجل افتحاص طريقة اشتغال الجمعيات المكلفة بتوزيع الماء بدوار النزالة، والتحقق من قانونية طرق التسيير، وكيفية صرف المداخيل، ومدى احترام القوانين المنظمة للجمعيات.
كما تتجه الأنظار إلى المجلس الجهوي للحسابات، من أجل فحص أوجه صرف الأموال العمومية والتجهيزات التي استفادت منها هذه الجمعيات، والتأكد من توظيفها في خدمة المصلحة العامة، لا في تكريس النفوذ أو خدمة أجندات انتخابية.
وفي المقابل، يبقى من الضروري تمكين مسؤولي الجمعيات والمجلس الجماعي من حق الرد وتقديم توضيحاتهم بشأن هذه الادعاءات، باعتبار أن الوصول إلى الحقيقة يقتضي الاستماع إلى جميع الأطراف.
أسئلة تنتظر أجوبة
من يراقب مداخيل جمعيات الماء بدوار النزالة؟
أين تذهب أموال الانخراط ورسوم بيع الماء؟
هل تخضع حسابات الجمعيات لافتحاص دوري؟
ما هي معايير توزيع الدعم العمومي والتجهيزات؟
وهل تحولت بعض جمعيات الماء من خدمة اجتماعية إلى وسيلة لصناعة الولاءات والنفوذ؟
إنها أسئلة لا تهم ساكنة دوار النزالة وحدها، بل تمس جوهر الحكامة المحلية، لأن الماء حق دستوري، وليس امتيازًا يمنح أو يمنع بحسب المواقف أو الولاءات
العطش مقابل الولاء؟ تحقيق استقصائي يكشف شبهات استغلال جمعيات الماء بدوار النزالة في صناعة النفوذ الانتخابي.

