فاس وحظر الخمور للمسلمين: حين يتوارى القانون (الظهائر الشريفة ) خلف شبكات «الريع والمصلحة»

فاس وحظر الخمور للمسلمين: حين يتوارى القانون (الظهائر الشريفة ) خلف شبكات «الريع والمصلحة»

يونس لكحل

​في العاصمة العلمية والروحية للمملكة المغربية، بفاس، ينكشف جرح تضاد عميق بين النص التشريعي والقانوني والواقع الميداني، متجلياً في الترويج العلنـي والمستمر للمشروبات الكحولية وتوفيرها للمواطنين المغاربة المسلمين. فالظاهرة لم تعد مجرد تجاوزات فردية أو انفلاتات عابرة لبعض أرباب المحلات والحانات، بل تحولت إلى ممارسة شبه منظمة تتحدى جهاراً الضوابط القانونية والظهائر الشريفة لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ونصره بل تسيء له !! ، وفي مقدمتها الظهير الشريف رقم 1.67.223 الصادر سنة 1967، الذي يحظر في مادته الثامنة والعشرين بيع الخمور أو تقديمها للمسلمين بعبارات حاسمة لا تقبل التأويل. هذا الخرق الصريح لا يكتفي بضرب السكينة العامة وإشاعة مظاهر الانفلات والأذى في الأحياء السكنية وقرب المؤسسات التعليمية والمساجد، بل يشكل مساساً ممتداً بالشرعية التنظيمية وللثوابت الروحية التي تقوم عليها إمارة المؤمنين كحامي لحرمة الدين وسيادة القانون في البلاد.
​ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً وتحليلاً في هذا السياق لا يتعلق فقط بحدوث الخرق في حد ذاته، بل بالآلية التي تسمح لتلك الشبكات بالاستمرار والتمدد برغم الترسانة القانونية الصارمة؛ إذ تتقاطع الأدلة الميدانية لتؤكد وجود «اقتصاد ظل» وتواطؤ شبكة معقدة من المصالح تستفيد بشكل مباشر من إبقاء هذا الوضع على ما هو عليه. فهذا الواقع القائم يخلق بيئة خصبة لريع متكامل؛ حيث تحقق محلات البيع والحانات أرباحاً طائلة عبر استهداف الكتلة الحرجية من الزبناء المحليين—وهم المغاربة المسلمون—خارج أطار التراخيص الممنوحة التي حُددت في الأصل لتغطي احتياجات الأجانب أو غير المسلمين فقط. وهذا الإقبال المالي الضخم يُنسج حوله حزام من المنافع المتبادلة والمتداخلة بين أطراف متعددة تستفيد من غض الطرف، عبر تمرير هذه المخالفات دون تفعيل المساطر الزجرية مما حولها لشبكة من المصالح التي اصبحت تهدد اسس تواجد الدولة !! ، مما يحول خرق القانون إلى سعة تجارية ومصدر حماية متبادلة على حساب أمن المواطنين وهيبة الدولة ما يفقد المواطنين الثقة في دور المؤسسات وتطبيق القانون ..
ومع ​إستمرار التجاهل لهذه الاختلالات بمدينة فاس لم يعد خياراً كفؤاً ولا حلاً إدارياً مقبولاً، لأن الكلفة الاجتماعية والأمنية والرمزية باتت باهظة للغاية. فالأمر يتجاوز حدود السكر العلني أو إقلاق الراحة العامة ليصل إلى تآكل الثقة في النجاعة التنظيمية وتساوي الجميع أمام سيادة القانون. ومن هذا المنطلق، يصبح الاستجابة للمطالب الشعبية والمدنية المتمثلة في فتح تحقيق قضائي وأمني عاجل في هذه المحلات بشكل شامل ضرورة ملحة، وتحقيق لا يكتفي بمعاقبة الحلقات الأضعف من العمال أو إغلاق محلات صغيرة بشكل مؤقت، بل يغوص في عمق «شبكة المصالح» لفك الارتباط بين المال الناجم عن خرق القانون وأدوات التغطية والسكوت عليه. فإعادة الانضباط للعاصمة العلمية تتطلب تفعيلاً كاملاً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، لسحب التراخيص نهائياً من المتورطين، وصون حرمة النصوص القانونية والظهائر الشريفة، وإعادة الهيبة لسيادة القانون فوق كل اعتبار …بإعتبار الامر يتعلق بإمارة المؤمنين وظهائره كحامي لحمى الملة والدين … فإن تم التغاضي على كل ما سبق فكأننا نعطي للمواطن الحق في التشكيك في مرتكزات دولة الحق والقانون والمؤسسات … وهذا ما لا نريده…

الاخبار العاجلة