يونس لكحل
في أدبيات العلوم السياسية والاقتصاد السياسي المعاصر لم يعد مفهوم الفقر يُقرأ باعتباره مجرد قدر محتوم أو نتيجة عفوية لقلة الموارد وجفاف الطبيعة، بل أصبح يُفهم بدقة باعتباره منتجاً هيكلياً يتم تصنيعه بعناية فائقة داخل أروقة القرار في الدول التي تعاني من الفشل السياسي والاقتصادي، حيث تتكامل السياسات العامة لخدمة منظومة إفقار ممنهجة تؤدي في نهايتها إلى تفكيك البنية الاجتماعية للمجتمع وتدمير عموده الفقري المتمثل في الطبقة الوسطى، مقابل تدشين تحالف غير مقدس بين السلطة والنفوذ والمال يُحوّل الدولة من كيان ناظم للصالح العام إلى شركة خاصة تدار لحساب أوليغارشية ضيقة تفعل بالبلاد ومقدراتها ما تشاء. فتاريخ المجتمعات الإنسانية يؤكد أن الطبقة الوسطى لم تكن يوماً مجرد شريحة ذات دخل متوسط، بل كانت دوماً المحرك الأساسي للاستقرار الاجتماعي …، والعمود الفقري للاقتصاد الإنتاجي، والراعي الأول للوعي السياسي والثقافي، فعندما تستهدف السياسات الاقتصادية هذه الطبقة عبر رفع نسب التضخم الممنهج، وتجريد التعليم والصحة العموميين من جودتهما لصالح قطاعات خاصة ، وفرض الضرائب غير المباشرة على الاستهلاك …، فإن هذه الشريحة تنزلق تدريجياً نحو أسفل الهرم الاجتماعي لتلتحق بجيوش المعوزين، وهو ما يؤدي إلى مسح المساحة الفاصلة بين القمة والقاعدة وتحويل المجتمع إلى قطبين متطرفين: أقلية فائقة الثراء وأغلبية تعيش على هامش الكفاف وأَقْصَى ما تسعى إليه هو الهروب الجماعي من واقعها ومن الوطن ! . كما انه وفي هذه المنظومة لا يقتصر أثر الإفقار على الجانب المادي والمالي فحسب، بل يتعداه إلى أبعاد سيكولوجية وسياسية خطيرة تُستخدم فيها الحاجة كتقنية للسيطرة والتدجين، فعندما يستيقظ المواطن يومياً وهمّه الوحيد هو تدبير رغيف الخبز أو الدواء في صراع من اجل البقاء فقط ، تنعدم لديه المساحة الذهنية للتفكير في المساءلة السياسية أو الحريات أو مستقبل البلاد ليكون حرا بهذا المعنى …، فيصبح البقاء المجرد على قيد الحياة هو السقف الأقصى للطموح، وفي الوقت ذاته تُسلب الحقوق الأساسية للمواطنة وتُعاد جراحتها وتقديمها عبر شبكات المحسوبية باعتبارها مكارم وخدمات يُسديها أصحاب النفوذ، مما يحول المواطن من صاحب حق إلى زبون خاضع يُقايض كرامته بلقمة العيش. وفي المقابل وعلى الجانب الآخر من المشهد، نجد النخبة المستفيدة في معزل عن هذا الواقع، حيث لا تُصنع ثرواتها عبر الابتكار والمنافسة الشريفة أو بناء المصانع والشركات الإنتاجية، بل عبر اقتصاد اقتناص العوائد والأراضي واحتكار تراخيص الاستيراد والتصدير وتوزيع عقود الدولة على المقربين، لتتحول السلطة التنفيذية (الحكومات المتعاقبة) من كيان حامٍ للحقوق إلى سلطة نخب تعصر موارد مجتمعها لصالح فئة صغيرة من شبكات مصالح متداخلة الثراء الفاحش…!
فنصل بذلك إلى أحداث سبتة كنتيجة تدق من خلالها أجراس إنذار بأن ضرورات و ميكانيزمات سبل الخروج من هذه الدائرة المغلقة يتطلب ما هو أبعد من الحلول الأمنية والمساعدات الظرفية المؤقتة. بل يتطلب إعادة هيكلة جذرية تُعيد للدولة دورها الأصيل كراعية للعدالة الاجتماعية، وتضمن استقلال مؤسساتها، وتحيي طبقتها الوسطى، وتسترجع ثقة أبنائها في جدوى المشاركة والاصلاح …؛ فالوطن الذي يفقد ثقة شبابه يفقد شرط بقائه وتطوره…
هذا وجَدِير بالذكر كذلك والتنبيه بأن : وهم الاستدامة الذي يعيشه صُناع الفقر يصطدم دوماً بحتميات التاريخ، الذي يؤكد ضمن محطاته بكون المجتمعات التي تُجرد من طبقتها الوسطى وتُسحق أغلبيتها تحت خط الكفاف تصل في النهاية إما إلى الانهيار الشامل لمؤسسات الدولة نتيجة هجرة العقول والكفاءات وتفشي المٱسي الاجتماعية …، أو إلى الانفجار الاجتماعي العارم حينما يدرك المحرومون أنهم لم يعودوا يملكون ما يخسرونه، مما يجعل الخروج من هذه الدائرة المغلقة يتطلب ما هو أبعد من الحلول الترقيعية والسطحية ، نحو إعادة هيكلة جذرية تُعيد للدولة دورها كراعية للعدالة الاجتماعية وتضمن استقلال مؤسساتها وإحياء طبقتها الوسطى باعتبارها الشرط الأول لبقاء أي مجتمع على قيد الحياة.
فكلما استُنزف المواطن في إمضاء يومه ملاحقاً لقمة العيش وتأمين احتياجات البقاء الأساسية، بوجود حكومات متعاقبة لا تهتم لشؤونه وقضاياه لتحقيق تطلعاته ومطالبه! ، تنعدم بذلك قدرته على التفكير أو المشاركة السياسية والمساءلة، مما يضمن للنخبة الريعية احتكار الثروة والسلطة معاً في دوامة متوالية ، وإعادة إنتاج نفودها بشكل مستدام على حساب استنزاف المجتمع والدولة، فتكون النتيجة حتمية بفقدان الناس الثقة في كل اصلاح ، فيموت الأمل في العقول والنفوس معا ! ، ومن هنا نستحضر الفيلسوف كونفوشيوس حينما قال ” بدون ثقة الشعب، لا قيام للدولة “

