أحداث سبتة… بين ضجيج التأويل ومنهجية القراءة العلمية

أحداث سبتة… بين ضجيج التأويل ومنهجية القراءة العلمية

جليلة بنونة

ما إن شهدت مدينة سبتة موجة الهجرة الجماعية غير النظامية الأخيرة، حتى امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بآلاف التحليلات والتفسيرات. وفجأة أصبح الجميع خبيرا في العلاقات الدولية، ومتخصصا في علم الاجتماع، ومفسرا للهجرة غير النظامية، رغم أن مثل هذه الظواهر المركبة لا يمكن اختزالها في رأي عابر أو انطباع شخصي.

ليس العيب أن يشارك المواطن في النقاش العمومي، فحرية إبداء الرأي حق مشروع، لكن العيب أن يتحول الرأي إلى أحكام يقينية تبنى على الإيحاءات والانطباعات، بعيدا عن المنهجية والموضوعية. فالتحليل العلمي لأي ظاهرة يقتضي أولا تحديد الإشكالية، ثم اختيار المنهج المناسب لدراستها، واعتماد المقاربة الأكثر ملاءمة لطبيعة الظاهرة، سواء كانت سوسيولوجية أو سياسية أو اقتصادية أو قانونية، مع ربطها بسياقها الزمني والمكاني، واستحضار الخلفيات التاريخية والسياسية المحيطة بمدينة سبتة، التي يعتبرها المغرب جزءا من أراضيه المحتلة، وهو ما يجعلها منطقة ذات حساسية سياسية وقانونية واستراتيجية خاصة.

كما أن الهجرة التي عرفتها سبتة لا يمكن اختزالها في الرغبة التقليدية لشباب يبحث عن فرصة عمل أو حياة أفضل في أوروبا. فالهجرة الفردية التي عرفتها المنطقة منذ عقود تختلف عن موجات العبور الجماعي التي شارك فيها آلاف الأشخاص، وبينهم قاصرون، خلال فترة زمنية وجيزة. وهذه الأخيرة تطرح أسئلة متعددة حول الدوافع الحقيقية، ومدى تأثير الظروف الاجتماعية والاقتصادية، وانتشار الإشاعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ودور شبكات تهريب المهاجرين التي تستغل هشاشة الفئات المستهدفة، فضلا عن محاولات بعض الأطراف توظيف مثل هذه الأحداث لتحقيق أهداف تتجاوز البعد الإنساني. لذلك، فإن تفسير الحدث بعامل واحد فقط يظل تبسيطا لا ينسجم مع طبيعة الظاهرة المركبة.
ولعل المقارنة بين أحداث ماي 2021 وأحداث صيف 2026 تكشف بوضوح خطورة التسرع في إطلاق الأحكام. فالأحداث التي شهدتها سبتة سنة 2021 لم تكن الأولى من نوعها، كما أن موجات العبور الجماعي نحو المدينة تكررت في أكثر من مناسبة، غير أن لكل موجة سياقها السياسي والاجتماعي والأمني الخاص. ومن ثم، فإن إسقاط تفسير واحد على جميع هذه المحطات يفتقر إلى الدقة العلمية، لأن فهم الظاهرة يقتضي تحليل ظروف كل مرحلة على حدة، مع استحضار المتغيرات الداخلية والإقليمية التي أحاطت بها.

ورغم تعدد التفسيرات التي قدمتها الصحافة الإسبانية، فإنها لم تستطع، هي الأخرى، تقديم رواية واحدة حاسمة لما جرى، بل عرضت فرضيات مختلفة عكست تعقيد الظاهرة. فقد ركزت بعض التغطيات على الإشاعات التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أوحت لآلاف الشباب بإمكانية العبور أو الاستقرار داخل سبتة، فيما أشارت تقارير أخرى إلى استغلال شبكات تهريب المهاجرين لهذه الإشاعات لتشجيع محاولات العبور. كما تناولت وسائل إعلام إسبانية الجدل الذي أثاره حكم للمحكمة العليا الإسبانية بشأن إجراءات إعادة المهاجرين الذين يصلون بحرا، مؤكدة أن هذا الحكم تعرض لتفسيرات مضللة استغلتها شبكات التهريب، رغم أنه لا يمنح حق الدخول أو الإقامة تلقائيا. ويكشف هذا التباين في التغطيات أن حتى الإعلام الإسباني لم يكن يملك تفسيرا واحدا للأحداث، وهو ما يؤكد أن الظاهرة أكثر تعقيدا من أن تختزل في رواية متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي المقابل، قدمت السلطات المغربية معطيات رسمية استندت إلى عمليات ميدانية ومتابعة مباشرة للأحداث. فوفق التصريح الرسمي الصادر عن وزارة الداخلية المغربية بتاريخ 2 غشت 2026، بلغ عدد الأشخاص الذين توجهوا نحو مدينة سبتة حوالي 40 ألف شخص، مقابل نحو 1135 شخصا اتجهوا نحو مليلية، حيث أكدت الوزارة أنه تمت إعادة جميع من وصلوا إلى هذه الأخيرة. كما أعلنت أن الحصيلة المؤكدة للوفيات، إلى غاية تاريخ التصريح، بلغت 11 وفاة، منها وفاة واحدة نتيجة السقوط من منطقة صخرية قرب سبتة، وعشر وفيات بسبب الغرق. وأوضحت الوزارة كذلك أن بعض مناطق العبور لا يتجاوز عرضها 70 مترا، بينما يزيد عمق المياه في بعض النقاط قليلا على مترين، وهو ما يفسر حجم المخاطر التي تعرض لها المهاجرون أثناء محاولات العبور.

كما شددت وزارة الداخلية على أن مختلف المعطيات التي جرى جمعها وتحليلها تشير إلى أن الأحداث لم تكن وليدة عوامل عفوية أو ظرفية فقط، بل تأثرت بحملات تضليل وإشاعات واسعة الانتشار استغلتها شبكات متخصصة في الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، وهو ما ينسجم مع ما ذهبت إليه عدة تقارير إعلامية إسبانية تناولت الدور الذي لعبته الأخبار المضللة في استقطاب آلاف الشباب خلال فترة وجيزة.

وفي السياق ذاته، أكدت الوزارة أن جميع الإحصائيات والأرقام المتداولة خارج الحصيلة الرسمية لا تستند إلى معطيات موثقة، موضحة أن السلطات المغربية واصلت، بتنسيق مع الجانب الإسباني، التحقق من أي وفيات إضافية قد تكون سجلت بمدينة سبتة، ومن هويات وجنسيات أصحابها. ويعكس هذا المسار حرصا على عدم إصدار أرقام نهائية قبل استكمال عمليات التحقق، خاصة أن بعض الضحايا المحتملين قد يكونون من جنسيات أخرى، وهو ما يجعل التسرع في تداول أرقام غير مؤكدة ممارسة لا تنسجم مع قواعد العمل الصحفي ولا مع متطلبات البحث العلمي.

أما على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد كان المشهد أكثر تعقيدا. فقد اختلط الخبر بالإشاعة، والتحليل بالتخمين، وتحولت تقديرات غير موثقة إلى حقائق متداولة لدى آلاف المستخدمين، في وقت تؤكد فيه دراسات الإعلام الرقمي أن الأزمات تمثل بيئة مثالية لانتشار الأخبار المضللة. لذلك، فإن بناء المواقف على محتوى رقمي غير خاضع للتحقق لا يؤدي إلا إلى تعميق الالتباس وإرباك الرأي العام.
إن الهجرة غير النظامية ليست حدثا جديدا في المنطقة، فقد عرفها المغرب منذ عقود، وكانت أخبارها غالبا لا تتجاوز صفحات الحوادث، ولا تحظى باهتمام واسع إلا عندما تخلف مآسي إنسانية أو حوادث غرق. والجديد اليوم ليس الظاهرة في حد ذاتها، بل التحول الكبير الذي أحدثته المنصات الرقمية، التي أصبحت قادرة على تعبئة الآلاف خلال ساعات، ونشر الإشاعات بسرعة تفوق، أحيانا، سرعة تصحيحها أو التحقق منها.

إن أول ضحايا الأزمات ليس الإنسان وحده، بل الحقيقة أيضا. ففي لحظات الارتباك تتكاثر الروايات والأرقام، ويصبح تداول المعلومة أسرع من التحقق منها. وفي هذا الصدد، تبرز المسؤولية الأخلاقية للباحث والصحفي والمثقف، ليس في البحث عن الرقم الأكثر تداولا، بل عن الرقم الأكثر توثيقا، والتمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات غير المدعومة بالأدلة. فتبني معطيات غير موثقة أو صادرة عن مصادر مجهولة لا يخدم النقاش العمومي، بل يساهم في تضليل الرأي العام وإضعاف الثقة في المعلومة.
لذلك، فإن أحداث سبتة لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة بقدر ما تحتاج إلى دراسات رصينة، وتحقيقات ميدانية، وقراءات متعددة التخصصات. غير أن أي تحليل جاد ينبغي أن ينطلق أولا من الوقائع الموثقة والمعطيات الرسمية القابلة للتحقق، قبل الانفتاح على مختلف الفرضيات والتفسيرات. فالمعرفة لا تبنى على كثرة الآراء، وإنما على قوة الدليل، وكلما غابت المنهجية العلمية حضرت التأويلات التي تبتعد عن الحقيقة أكثر مما تقترب منها.

الاخبار العاجلة