“فاطمة الزهراء المنصوري “عبقرية التدبير التي زاوجت بين أصالة “الحمراء” وطموح الحداثة الحكومية

“فاطمة الزهراء المنصوري “عبقرية التدبير التي زاوجت بين أصالة “الحمراء” وطموح الحداثة الحكومية

بقلم // ليلى جاسم

بين ردهات مكاتب القرار في الرباط وأزقة “المدينة الحمراء” العتيقة، نحتت السيدة فاطمة الزهراء المنصوري مساراً سياسياً استثنائياً، تجاوز حدود التدبير المحلي ليصبح نموذجاً في “الحكامة المتكاملة”. كواحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً وقدرة على صياغة معادلة صعبة تجمع بين مقتضيات الحكامة المركزية كوزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، وبين نبض الشارع المراكشي كعمدة لمدينة لا تغيب عنها الشمس. لم يكن مسار المنصوري مجرد صعود لامرأة إلى سدة المسؤولية في مدينة كبرى، بل كان إيذاناً بانطلاق مرحلة جديدة من “الهندسة الحضرية” التي ترفض الاكتفاء بالترميم الهامشي، وتتجه بدلاً من ذلك نحو هيكلة شاملة تعيد لمراكش بريقها العالمي مع ضمان إنصاف أحيائها الشعبية وهوامشها المنسية.
تتجلى قوة المنصوري في تبنيها لرؤية “أنسنة المدينة”، وهي الفلسفة التي تنقل مراكش من حيز “المنتجع السياحي” الضيق إلى فضاء “المدينة المستدامة” الرحب. ومن خلال موقعها الحكومي، استطاعت المنصوري خلق تقاطعات حيوية بين السياسات الوطنية والانتظارات المحلية، حيث تحولت المدينة الحمراء تحت إشرافها إلى ورش حضري مفتوح، يزاوج بذكاء بين تحديث شبكات الطرق والإنارة الصديقة للبيئة، وبين صون الذاكرة الروحية والتاريخية للمسارات السياحية في المدينة العتيقة. ولم تكن هذه الإصلاحات ترفاً عمرانياً، بل ضرورة ملحة لتحقيق “عدالة مجالية” تذيب الفوارق بين بريق الفنادق الفاخرة وواقع الأحياء الناقصة التجهيز، وهو التحدي الذي خاضته المنصوري بجرأة عبر إطلاق برامج محاربة السكن غير اللائق ومعالجة معضلة المباني الآيلة للسقوط.
ولعل المحك الحقيقي الذي كشف عن معدن هذه القيادية الميدانية، كان لحظة زلزال الحوز في شتنبر 2023؛ ففي تلك اللحظات الفارقة، لم تكتفِ المنصوري بالتدبير الإداري من خلف المكاتب، بل برزت في طليعة الميدان، مشرفة على أدق تفاصيل إحصاء الأضرار وإعادة التأهيل. لقد كان رهانها مزدوجاً: حماية الأرواح وصون المعالم التاريخية من جهة، وإثبات قدرة المغرب على الصمود العالمي من جهة أخرى. وكان نجاح مراكش في احتضان الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين بعد أسابيع قليلة من الكارثة، بمثابة الانتصار الدبلوماسي والحضري الذي كرس ثقة المؤسسات الدولية في كفاءة التدبير المغربي تحت قيادة المنصوري وفريقها، محولةً الأزمة إلى فرصة لإعادة تقديم مراكش كمنارة صامدة ومتجددة.
إن المتأمل في تجربة المنصوري يدرك أنها لا تدير مدينة فحسب، بل تصيغ هوية مستقبلية لقطب إفريقي صاعد؛ فهي تدرك أن الحفاظ على “عاصمة البهجة” يتطلب دمج حلول التنقل الذكية، وتوسيع المساحات الخضراء، وتحسين جودة الحياة اليومية للمواطن البسيط بنفس الحماس الذي تُحضر به المدينة للمهرجانات الدولية الكبرى. هذا الأسلوب الذي يمزج بين الحزم السياسي والإنصات الاجتماعي هو ما جعل اسمها يتردد دولياً كواحدة من أكثر النساء تأثيراً في إفريقيا، ليس كعنوان لتمكين المرأة فحسب، بل كمرجع في تدبير الأزمات وصناعة التحول الحضري المستدام. وفي نهاية المطاف، تظل المنصوري توازن بخطى واثقة بين سحر الماضي الذي يسكن أزقة مراكش، وبين طموحات مغرب الغد الذي ينشد الريادة والتميز.

الاخبار العاجلة