حين تتحول أموال التضامن إلى واجهة تجارية

حين تتحول أموال التضامن إلى واجهة تجارية

الجمعيات الصحية بين النبل والاستغلال

بقلم: ليلى جاسم

في الأصل، وُجدت أموال التضامن لتكون صمّام أمان اجتماعي، ورافعة إنسانية تخفف من معاناة المرضى المعوزين، وتضمن لهم حق الولوج إلى العلاج بعيدًا عن منطق الربح والحسابات التجارية. غير أن ما يُثار اليوم بشأن علاقة بعض الجمعيات الصحية بعدد من المصحات الخاصة يطرح تساؤلات مشروعة حول حدود العمل الإنساني، وحول ما إذا كان التضامن ما يزال يؤدي وظيفته النبيلة أم تحوّل، في بعض الحالات، إلى واجهة تخفي ممارسات تجارية غير معلنة.
لا أحد ينكر الدور الحيوي الذي يضطلع به العمل الجمعوي الصحي في التخفيف من اختلالات المنظومة الصحية، خصوصًا لفائدة الفئات الهشة، ومرضى الأمراض المزمنة، وضحايا حوادث السير. غير أن الإشكال لا يكمن في المبدأ، بل في بعض الممارسات التي بدأت تثير القلق وتستدعي الوقوف عندها بجدية ومسؤولية.
فعندما تتحول بعض الجمعيات إلى وسيط شبه دائم يوجّه المرضى نحو مصحات خاصة بعينها، وعندما تُقدَّم تخفيضات محدودة على فواتير علاج مرتفعة باعتبارها “مبادرات إنسانية”، يصبح من حق الرأي العام أن يتساءل:
من المستفيد الحقيقي من هذه العلاقة؟ المريض أم المؤسسة الصحية الخاصة؟
في كثير من الحالات، يجد المريض المعوز نفسه محاصرًا بين ألم المرض وضيق ذات اليد، فيُقدَّم له العلاج داخل مصحة خاصة باعتباره “فرصة لا تُفوّت” بفضل تدخل الجمعية. غير أن هذا التدخل، الذي يفترض أن يحمي المريض، قد يتحول إلى عبء إضافي حين يكتشف لاحقًا حجم التكاليف، أو غموض الفواتير، أو محدودية الدعم الحقيقي المقدم له.
هنا، يفقد التضامن معناه الإنساني، ويتحول المريض إلى مجرد رقم داخل معادلة ربح غير معلنة، حيث يُستثمر ضعفه بدل أن يُصان حقه في علاج عادل وشفاف.
أخطر ما في هذه الممارسات ليس فقط توجيه المرضى، بل غياب الوضوح حول طبيعة العلاقات التي قد تجمع بعض الجمعيات بمصحات خاصة. فلا المريض يُخبر بمعايير اختيار المصحة، ولا تُنشر أي معطيات دقيقة حول طبيعة الاتفاقات، أو أسس احتساب التخفيضات، أو مصير أموال التبرعات.
إن أموال التضامن، سواء جاءت من محسنين أو مؤسسات، يفترض أن تخضع لمبادئ الحكامة الجيدة: الشفافية، والمساءلة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وكل غموض يلف مسار هذه الأموال لا يسيء فقط إلى المرضى، بل يضرب في العمق مصداقية العمل الجمعوي ككل، بما فيه الجمعيات الجادة التي تشتغل بصدق ونزاهة.
العمل الجمعوي الصحي ليس سوقًا ولا وساطة تجارية، بل رسالة أخلاقية قبل أن يكون خدمة اجتماعية. وأي انزلاق نحو توظيف المعاناة الإنسانية لتحقيق مكاسب مادية، مهما كانت مبرراته، يُفرغ التضامن من قيمته ويحوّله إلى أداة استغلال ناعمة.
إن حماية العمل الإنساني تقتضي فتح نقاش عمومي مسؤول حول هذه الممارسات، وتعزيز آليات المراقبة، وضمان الشفافية في الشراكات، حتى يظل المريض في قلب الاهتمام، لا في هامش الحسابات.
التضامن ليس شعارًا يُرفع، بل التزام أخلاقي يُمارس. وحين تختلط النوايا الإنسانية بالمصالح التجارية، يصبح من واجب الإعلام والمجتمع المدني طرح الأسئلة الصعبة، ليس من أجل التشهير، بل دفاعًا عن جوهر العمل الجمعوي، وصونًا لحق المرضى في علاج كريم، عادل، وشفاف.

الاخبار العاجلة