بين خطاب التشبيب وواقع التزكيات… هل تنصف الأحزاب السياسية كفاءات الشباب في المغرب؟

بين خطاب التشبيب وواقع التزكيات… هل تنصف الأحزاب السياسية كفاءات الشباب في المغرب؟

مصطفى مجبر

في سياق سياسي يتسم بتسارع التحولات وتزايد وعي الرأي العام، يطفو على السطح مجدداً سؤال المصداقية الحزبية في المغرب، خاصة حين يتعلق الأمر بشعار “تشبيب العمل السياسي” الذي ترفعه أغلب الأحزاب، مقابل ممارسات ميدانية تثير الكثير من الجدل.

ففي الوقت الذي تتسابق فيه القيادات الحزبية إلى تبني خطابات الحداثة والانفتاح على جيل جديد من الفاعلين، يلاحظ متتبعون أن لوائح التزكيات لا تزال، في حالات عديدة، تميل إلى إعادة إنتاج نفس الوجوه، المرتبطة أحياناً بالنفوذ أو الإمكانيات المالية، بدل إفساح المجال أمام كفاءات شابة قادرة على ضخ دماء جديدة في الحياة السياسية.

هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يضع الأحزاب أمام اختبار حقيقي، خصوصاً في ظل جيل جديد—يُعرف بـ“جيل Z”—أصبح أكثر اطلاعاً ونقداً، ولم يعد يتفاعل بنفس الطريقة مع الوعود التقليدية أو الخطابات الرنانة. جيل يتابع، يقارن، ويحاسب، ما يجعل من مسألة الثقة في الفاعل الحزبي رهاناً مركزياً في المرحلة المقبلة.

في المقابل، برزت خلال السنوات الأخيرة ديناميات جديدة داخل بعض التنظيمات السياسية، خاصة تلك التي توصف بـ“الصغرى” من حيث الإمكانيات، لكنها تسعى إلى بناء مشروعها على قاعدة استقطاب الطاقات الشابة وتثمين الكفاءة بدل الولاء. هذه التحولات، وإن كانت محدودة التأثير حتى الآن، تعكس توجهاً متنامياً نحو إعادة تعريف العمل الحزبي على أسس أكثر انفتاحاً ومهنية.

وفي هذا الإطار، يبرز اسم ناصر البقالي، شاب من إقليم تاونات، كأحد النماذج التي تعكس هذا التحول النسبي. فبصفته فاعلاً جمعوياً وحاملاً لتكوين أكاديمي، اختار خوض غمار العمل السياسي بدائرة تاونات–تيسة، رافعاً شعار التحدي والمشاركة، في تجربة تعكس طموح فئة من الشباب المغربي إلى المساهمة في تدبير الشأن العام.

غير أن الإشارة إلى مثل هذه النماذج لا ينبغي أن تُفهم في إطار الترويج الانتخابي، بقدر ما تعكس حاجة ملحة إلى فتح نقاش وطني صريح حول معايير التزكية داخل الأحزاب، ومدى قدرتها على القطع مع منطق الريع السياسي، وإرساء قواعد تكافؤ الفرص.

إن الرهان اليوم لم يعد فقط في تجديد الوجوه، بل في إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات الحزبية، عبر تمكين كفاءات حقيقية من مواقع القرار، بغض النظر عن انتماءاتها أو إمكانياتها المادية. فالممارسة السياسية، في نهاية المطاف، لا تُقاس بالشعارات، بل بمدى القدرة على ترجمتها إلى اختيارات ملموسة تعكس إرادة الإصلاح.

في ظل هذه المعطيات، تبدو الأحزاب السياسية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإعادة النظر في آليات اشتغالها، إذا ما أرادت مواكبة التحولات المجتمعية واستعادة ثقة فئات واسعة من الشباب، الذين لم يعودوا مجرد رقم انتخابي، بل فاعلاً واعياً ومؤثراً في رسم ملامح المستقبل السياسي للبلاد.

الاخبار العاجلة