مصطفى مجبر- المغرب العربي بريس
ما تعيشه مدينة فاس اليوم لم يعد مجرد اختلال عابر أو نتيجة “تقلبات مناخية”، بل هو انهيار واضح لمنظومة التدبير المحلي تتحمل مسؤوليته جميع جماعات فاس دون استثناء، ومعها الشركة الجهوية المتعددة الخدمات بجهة فاس–مكناس، التي أخفقت في القيام بمهامها الأساسية، تاركة المدينة تغرق في الحفر والمياه الراكدة مع كل تساقط مطري.
بمجرد هطول الأمطار، تنكشف الحقيقة الصادمة: طرق محفورة، أزقة مشلولة، وبرك مائية تحولت إلى مصائد حقيقية تهدد سلامة المواطنين وممتلكاتهم. شوارع أُنجزت حديثاً تتآكل في ظرف أيام، وقنوات صرف عاجزة، أو مهملة عمداً، عن أداء أبسط وظائفها. مشهد يُجسد تبديداً واضحاً للمال العام وغياباً كاملاً للمراقبة والمحاسبة.

في عدد من أحياء فاس، اضطر السكان إلى تعويض غياب الدولة والجماعات والشركة الجهوية بوسائل بدائية، كالعجلات المطاطية والأحجار، للتحذير من الحفر القاتلة. صورة تختصر حجم الإفلاس المؤسساتي، حيث يتحول المواطن إلى حارس للطريق، فيما المسؤولون غائبون عن الميدان، وحاضرون فقط في المناسبات البروتوكولية.
المجالس الجماعية بفاس أثبتت، دورة بعد أخرى، أنها عاجزة عن التخطيط، وفاشلة في الصيانة، ومتورطة بالصمت. لا رؤية واضحة، لا برامج استعجالية، ولا أدنى حس بالمسؤولية السياسية. أما الشركة الجهوية المتعددة الخدمات، التي أوكلت إليها قطاعات استراتيجية، فقد كشفت عن محدودية أدائها، إن لم نقل تقصيراً خطيراً، خاصة في تدبير شبكات التطهير التي أصبحت عبئاً بدل أن تكون حلاً.

الأمر لم يعد يقتصر على الطرقات. المدينة غارقة في الأزبال، الإنارة العمومية معطلة في أحياء كاملة، والفضاءات الخضراء تحولت إلى بقع مهملة. فاس اليوم مدينة تُستنزف، تُهمَّش، وتُدار بمنطق “أدنى مجهود”، في استخفاف واضح بحق الساكنة وكرامتها.
الصمت الذي يلف هذه الفوضى أخطر من الفوضى نفسها. فلا بلاغات صريحة، ولا تحمل للمسؤولية، ولا اعتراف بالأخطاء. الكل يلوذ بالصمت أو يتقن لعبة رمي التهم، بينما تستمر معاناة المواطنين، وتتضاعف المخاطر مع كل زخة مطر جديدة.
إن ما يحدث في فاس يستوجب مساءلة حقيقية وشاملة لكل من له علاقة بتدبير الشأن المحلي، من جماعات ومجالس إلى الشركة الجهوية المتعددة الخدمات. فمدينة بتاريخ فاس لا يمكن أن تُختزل في حفر مغمورة بالمياه، ولا أن تُدار بعقلية الترقيع والتجاهل.
في فاس، لم تعد التنمية متعثرة فقط…
بل أصبحت عنواناً للفشل الجماعي وسوء التدبير المزمن.

