مصطفى مجبر // المغرب العربي بريس
في أدبيات الحكامة الترابية المعاصرة، لا تُختزل القيادة في الامتثال للنصوص التنظيمية أو حسن تدبير الروتين الإداري، بل تتأسس على القدرة على قراءة المجال، واستيعاب المخاطر، وتحويل المعرفة الميدانية إلى قرار عمومي فعّال. وبهذا المنظور التحليلي، يبرز إدريس مصباح، عامل إقليم إفران، كشخصية السنة بامتياز، ليس بفعل ظرف عابر، بل نتيجة مسار مهني ومعرفي أفرز نموذجًا متقدمًا في تدبير الأزمات.

قبل توليه مسؤولية العاملية، راكم إدريس مصباح تجربة وازنة كمفتش عام سابق للمياه والغابات، وهي تجربة شكّلت ما يمكن اعتباره الدينامو الخفي لأسلوبه الحالي في تدبير الشأن الترابي. فالمجال الغابوي والجَبَلي ليس فضاءً نظريًا في سيرته المهنية، بل مجال معيش، قائم على الاحتكاك المباشر بالطبيعة القاسية، وبالإنسان القروي الذي يتقاسم معها شروط الصمود والبقاء.
لقد جاءت موجة التساقطات الثلجية الأخيرة لتؤكد أن عامل إقليم إفران لم يكن يتعامل مع الثلج كطارئ إداري، بل كعنصر بنيوي من هوية المجال. فهو ابن الجبل وابن الثلوج، ويعرف أن تدبير العاصفة لا يتم بمنطق الارتجال أو البلاغات، بل بالاستباق، وبالفهم الدقيق لمسارات العزلة، ونقط الخطر، وإيقاع الحياة في الدواوير الجبلية. لذلك اتسمت تدخلاته بالحضور الميداني، والقرار الواقعي، والتنسيق المحكم بين مختلف المتدخلين، ما حال دون تحوّل الظرف المناخي إلى أزمة إنسانية مفتوحة.

إن خصوصية تجربة إدريس مصباح لا تكمن فقط في سرعة التدخل، بل في أسلوب التعامل مع العالم القروي. فقد أبان عن قدرة واضحة على الإنصات، وعلى احترام الخصوصيات الاجتماعية للمجال الجبلي، بعيدًا عن المقاربات الفوقية أو الحلول الجاهزة. في تصوره، لا يُختزل العالم القروي في الهشاشة، بل يُفهم كفضاء للكرامة والذاكرة الجماعية، وهو ما انعكس في طريقة تدبير ملفات فك العزلة، وتأمين الحالات الصحية المستعجلة، وتتبع أوضاع الرحّل، وضمان الحد الأدنى من شروط العيش الكريم في زمن البرد القارس.
ومن زاوية أكاديمية، يمكن توصيف هذا النموذج بما يُعرف بـ الحكامة الترابية القائمة على المعرفة المسبقة بالمجال، حيث تتحول التجربة المهنية السابقة إلى أداة لتجويد القرار العمومي، وتتحول السلطة من موقع ضبط إلى وظيفة حماية ورعاية. وهو ما يمنح لقب شخصية السنة بإقليم إفران مشروعيته التحليلية، لا بوصفه توصيفًا إعلاميًا، بل كنتيجة منطقية لمسار تدبيري متماسك.

ولا يكتمل هذا التوصيف دون التوقف عند حالة الإجماع النادرة التي تشكّلت حول إدريس مصباح داخل الإقليم. فقد عبّرت فعاليات من المجتمع المدني، وهيئات جمعوية، ومنتخبون وفاعلون سياسيون من مشارب مختلفة، عن تقديرهم لأسلوب الحكامة الذي طبع تدبيره، خاصة خلال مرحلة الثلوج. هذا الالتفاف لم يكن نتاج مجاملة أو تموقع ظرفي، بل اعترافًا جماعيًا بأن الأداء الميداني، والإنصات، والوضوح في القرار، أعادت الاعتبار لفكرة السلطة كخدمة عمومية قريبة من المواطن.

إن هذا الإجماع يعكس، في عمقه، نجاح عامل الإقليم في تقليص المسافة الرمزية بين الإدارة والمجتمع، وفي تحويل تجربته الغابوية إلى رأس مال مهني ومجتمعي، منح الساكنة شعورًا بالطمأنينة في لحظة كان فيها الخطر حقيقيًا والزمن ضاغطًا.
إن تتويج إدريس مصباح بلقب شخصية السنة بإقليم إفران لا يُقرأ كمكافأة معنوية، بل كخلاصة تحليلية لمسار أثبت أن القيادة الحقيقية تُصنع في الجبل، وفي الثلج، وفي لحظات الصمت الميداني حيث تُختبر القرارات بعيدًا عن الأضواء. إنها تجربة تؤكد أن المسؤول حين يكون ابن فهمٍ عميق للمجال، يصبح قادرًا على تدبير الأزمات لا بردّ الفعل، بل بالحكمة، والمعرفة، والإنسان.


