جليلة بنونة
يشكل العنف الرقمي واحدا من أكثر الأشكال المستحدثة للاعتداءات التي تستهدف النساء، إذ باتت منصات التواصل فضاء مفتوحا لرسائل التهديد والتشهير والابتزاز والتنمر والقرصنة ونشر الصور والمعلومات الخاصة دون إذن. ورغم حداثة هذا النوع من العنف، إلا أنه يتوسع بوتيرة سريعة، مستفيدا من سهولة التخفي وراء الشاشات وصعوبة التتبع في كثير من الحالات. وتشير دراسات مختلفة إلى أن النساء هن الفئة الأكثر تعرضا لهذا النمط من الاعتداءات، نظرا لطبيعة التمييز القائم على النوع الاجتماعي ولجوء المعتدين إلى استغلال المعطيات الشخصية الحساسة للضغط والإيذاء.
وتعود كثافة استهداف النساء إلى عدة أسباب، من بينها النظرة الدونية السائدة في بعض الأوساط، ومحاولة استخدام الفضاء الرقمي لفرض السيطرة أو الانتقام، إضافة إلى اعتقاد بعض الجناة بأن العنف عبر الإنترنت “غير مجرم بما يكفي” أو يمكن الإفلات منه بسهولة. ويؤدي ذلك إلى مضاعفة الأذى النفسي والاجتماعي، خاصة حين تمتد تبعات الاعتداء إلى السمعة، العلاقات الأسرية والمهنية، أو الصحة النفسية للضحايا.
ويطرح هذا الواقع تحديا أمام النساء، لكنه لا يخلو من إمكانيات للتصدي. فالتوعية الرقمية، والتبليغ الفوري عن التجاوزات، والاحتفاظ بالأدلة، والاستعانة بالخبراء المختصين في الأمن السيبراني، جميعها خطوات أساسية لحماية الضحية ووقف سلسلة الاعتداء. كما تلعب الحملات المدنية دورا مهما في الدفع نحو تشريعات أكثر فعالية، وتشجيع النساء على كسر حاجز الصمت.
ويسجل للمغرب خلال السنوات الأخيرة تدخل تشريعي واضح، إذ جرم القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء أشكال الاعتداء الرقمي، بما في ذلك بث أو توزيع صور أو تسجيلات أو ادعاءات كاذبة تمس الحياة الخاصة للنساء، مع تشديد العقوبات عندما يكون الهدف هو الإضرار بسمعة الضحية أو ابتزازها. وقد ساعد هذا الإطار القانوني على فتح الباب أمام متابعة المعتدين وملاحقتهم، رغم أن التطبيق ما زال يواجه تحديات مرتبطة بالإثبات أو بالوعي القانوني لدى المتضررات.
غير أن المحزن في الأمر هو أنك أحيانا قد تجد امرأة فاعلة سياسية، تظهر في العلن مدافعة شرسة عن قضايا النساء ومحاربة العنف، بينما تمارس في الخفاء عنفا رقميا موجها ضد امرأة أخرى بدافع شخصي أو بدافع الضغينة. يحدث ذلك في وقت يفترض فيه أن تتحول القوى الفاعلة إلى قدوة في التصدي للعنف، لا إلى طرف يكرسه أو يعيد إنتاجه بطرق جديدة. ومثل هذه الحالات تكشف التناقض بين الخطاب والممارسة، وتعري حجم الحاجة إلى قيم ثابتة تتجاوز الشعارات، وإلى وعي حقيقي بأن العنف الرقمي ليس خلافا عاديا بل سلوكا مؤذيا يدمر ويسقط ضحايا.
وتؤكد المعطيات المتاحة أن العنف الرقمي لا يمارس فقط من الرجال ضد النساء، بل يطال أيضا حالات تعتدي فيها نساء على نساء أخريات، مما يعكس تعقيدات الظاهرة وتحولها إلى ممارسة لا ترتبط بجنس المعتدي بقدر ما ترتبط بغياب الوعي الرقمي والقيم الأخلاقية. ويشير خبراء إلى الحاجة الملحة لنهج شامل يجمع بين التربية الرقمية، والتشريع، والدعم النفسي، حتى لا تتحول الوسائط الاجتماعية إلى فضاءات للابتزاز والإيذاء، بدل أن تكون منصات للتواصل والتعبير.
ويبقى الرهان الأكبر هو بناء بيئة رقمية آمنة، تحترم كرامة النساء، وتتيح لهن المشاركة دون خوف من الاستهداف، في ظل قوانين رادعة، ومؤسسات متيقظة، ومجتمع واع بأن العنف، سواء كان ظاهرا أو متخفيا، هو انتهاك لحقوق الإنسان في كل الأحوال.

