العمرة بين قدسية المناسك ومظاهر التفاخر الاجتماعي

العمرة بين قدسية المناسك ومظاهر التفاخر الاجتماعي

بقلم جليلة بنونة

لم يعد أداء العمرة عند البعض رحلة روحانية تتجدد فيها الصلة بالخالق، بل أصبح مناسبة اجتماعية تعاش بمنطق «كيف يرانا الناس؟». فمنذ اللحظة الأولى، يطغى حضور الهاتف على حضور الخشوع. صور في كل خطوة، و”سطوريات” تحمل إهداءات أكثر مما تحمل دعاء، و دموع اثناء الدعاء موثقة بفيلتر، وبث مباشر من الحرم وكأن المعتمر في مهمة إعلامية لتوثيق الرحلة بدل عيشها.

هذا السلوك يطرح تساؤلا مقلقا: هل تحولت العبادة إلى محتوى رقمي؟ وهل صار المعتمر يقيس أثر رحلته بعدد المشاهدات، لا بعدد اللحظات التي اقترب فيها قلبه من الله؟

ومع العودة إلى الوطن، يتكرس المشهد أكثر. بوفيهات فاخرة تنظم للاحتفال، وحلويات تشكل على هيئة الكعبة والمسعى، في محاولة لإبهار الضيوف بدل شكر الله على نعمة الزيارة. كأن الطاعة أصبحت حدثا يحتاج إلى ديكور، وصور، وإظهار مبالغ فيه للفرح، يتجاوز حدود البساطة التي تفترض في عبادة قائمة على التواضع والخشوع.

ولا يتوقف الأمر هنا؛ فانتظارات المجتمع تزيد الضغط. الزوار يأتون وفي ذهنهم سؤال واحد: ماذا جلب لنا المعتمر؟ الهدايا أصبحت كأنها واجب اجتماعي، بل معيارا لكرم الزيارة ونجاح الرحلة، مما يدفع البعض إلى الإنفاق فوق طاقتهم فقط ليرضوا الناس.

وهنا يبرز السؤال الأكبر، السؤال الذي يفترض أن يقلق كل مؤمن:
هل باتت التقاليد الاجتماعية وضرورة إرضاء المجتمع أهم من إرضاء الخالق؟
حين يصبح هم بعض المعتمرين كيف يرضون الآخرين، لا كيف يخرجون من رحلتهم بقلوب أنقى، فنحن أمام تحول خطير في فهم العبادة ومعناها.

إن العمرة عبادة أولا وأخيرا، مقصدها التوبة والتجرد والخشوع. ولا بأس أن يفرح الإنسان بالطاعة، لكن حين يغلب الاستعراض على الإخلاص، وتتحول المناسك إلى حدث اجتماعي واسع، تضيع القيمة الأصلية للزيارة.

العودة من العمرة ينبغي أن تكون بوجه هادئ، وقلب مطمئن، وسلوك متغير… لا بطاولات ممتدة، ولا صور منمقة، ولا هدايا ترضي المجتمع و تبرز علو مقامك عليهم.

الاخبار العاجلة