ذ. عمر المتوكل – عضو المكتب الوطني للشبيبة الدستورية
يأتي انعقاد المجلس الوزاري برئاسة جلالة الملك محمد السادس في ظرفية دقيقة تتقاطع فيها التحولات الاقتصادية العالمية مع رهانات النمو الداخلي ورغم تعقيد السياق فإن المؤشرات تؤكد أن المغرب يسير بخطى واثقة نحو ترسيخ نموذج اقتصادي ليبرالي منفتح، يجمع بين حرية المبادرة والعدالة الاجتماعية في إطار رؤية متكاملة تؤطرها التوجيهات الملكية السامية.
لقد شكل عرض وزيرة الاقتصاد والمالية أمام جلالة الملك لحظة محورية حيث تم التأكيد على أن إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026 لم يأت في سياق عادي بل في ظل تحديات دولية متشابكة. ومع ذلك تبرز مؤشرات النمو والتحكم في التضخم والعجز المالي أن الاقتصاد الوطني بدأ يستعيد توازنه بفضل دينامية القطاعات غير الفلاحية ونشاط النسيج الإنتاجي الوطني. هذه الأرقام ليست مجرد معطيات تقنية بل تعكس أن الإصلاح المالي والإداري بدأ يعطي ثماره وأن المغرب يسير بثقة نحو مكانة الدول الصاعدة.
من أبرز سمات هذا المشروع المالي أنه يربط بين منطق السوق الحر ومسؤولية الدولة الاجتماعية. فالمقاربة لم تعد تقتصر على ضخ الموارد، بل على خلق بيئة استثمارية محفزة، حيث يشكل تحفيز المقاولات الصغيرة والمتوسطة إحدى الركائز الأساسية للنمو. هذا التوجه الليبرالي المعتدل يفتح المجال أمام المبادرة الفردية دون التفريط في مبادئ التضامن المجتمعي.
كما أن إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية المجالية المندمجة يعكس إدراكًا متقدمًا بأن اللامركزية ليست فقط إصلاحًا إداريًا، بل فلسفة تنموية تقوم على إشراك المواطن والفاعل المحلي في صياغة القرار الاقتصادي إنها خطوة نحو دولة حديثة تعيد الاعتبار للكفاءات الترابية وتحول الجهوية إلى رافعة للنمو المستدام.
الشق الاجتماعي من مخرجات المجلس الوزاري يبرز بوضوح الرغبة الملكية في مواصلة بناء الدولة الاجتماعية من خلال تعميم الحماية الاجتماعية، ودعم الأسر الهشة، والرفع من القيمة المالية للدعم الموجه للأطفال. هذا الورش الملكي لا يقف عند حدود المساعدات بل يؤسس لمجتمع متوازن يكرس مبدأ تكافؤ الفرص ويعيد الثقة في دور الدولة كضامن للكرامة الإنسانية.
أما الإصلاحات الهيكلية التي تمت المصادقة عليها، فتعكس انتقالًا نوعيًا في مفهوم الحكامة العمومية، عبر إعادة هيكلة المؤسسات والمقاولات العمومية، وضمان توازن المالية العامة دون المساس بقدرة الدولة على الاستثمار الاجتماعي.
إنها مقاربة جديدة قوامها النجاعة والمساءلة في انسجام مع روح دستور 2011 الذي جعل من ربط المسؤولية بالمحاسبة قاعدة للسلطة الرشيدة.
ولا يمكن إغفال الإصلاحات السياسية التي حملها المجلس خصوصًا في ما يتعلق بالقوانين التنظيمية لمجلس النواب والأحزاب السياسية.
فالمغرب من خلال تحفيز الشباب والنساء على ولوج العمل السياسي، يفتح الباب أمام تجديد النخب وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة التشريعية. إن تخصيص دعم مالي لتشجيع الشباب على الترشح لا يعبر فقط عن انفتاح سياسي، بل عن إيمان راسخ بأن الديمقراطية تحتاج إلى نفس جديد وإلى جيل يؤمن بالمسؤولية لا بالامتياز.
في هذا السياق، يمكن القول إن الدولة المغربية تعيد صياغة علاقتها بالمواطن على أساس الثقة والتكافؤ، مستندة إلى رؤية ليبرالية منفتحة تؤمن بحرية المبادرة الاقتصادية وبضرورة تمكين المواطن من أدوات الإنتاج والمعرفة.
فالتنمية لم تعد شعارًا بل ممارسة تتجسد في كل إصلاح تشريعي ومؤسساتي.
تعيينات الولاة والعمال التي ختم بها المجلس الوزاري تعد امتدادًا لمنطق الكفاءة والفعالية في تدبير الشأن الترابي. إنها رسالة واضحة إلى الشباب بأن الدولة تتجدد من داخلها، وأن الارتقاء في المناصب لم يعد مرتبطًا بالولاءات، بل بقدرة الأفراد على خدمة الصالح العام والالتزام بثقافة النتائج.
إن قراءة مخرجات هذا المجلس الوزاري تدفع إلى التفاؤل، لأنها تقدم نموذجًا متوازنًا بين اقتصاد السوق ودور الدولة الاجتماعية، بين الانفتاح على العالم والحفاظ على السيادة الوطنية. وهو ما يعيد الثقة في المسار الإصلاحي المغربي كخيار استراتيجي قائم على رؤية ملكية بعيدة المدى تراهن على الإنسان كفاعل أساسي في التنمية.
اليوم، يبدو أن المغرب لا ينتظر المستقبل، بل يصنعه. والمطلوب من الشباب أن يخرج من موقع الملاحظة إلى موقع الفعل، وأن يؤمن بأن التغيير الحقيقي يمر عبر المشاركة الواعية والمسؤولة في البناء المؤسساتي والاقتصادي. فالدولة فتحت الأبواب، والمجتمع في حاجة إلى من يملؤها بالمبادرة والإبداع.

