ليس أخطر على الفعل السياسي من لحظة يفقد فيها قدرته على إنتاج المعنى، فيلجأ إلى النمط الاستهلاكي عبر اختلاق وهم معاناة الآخرين كبديل عن عجزه في مجارات حقائق فشله … ذلك ما يكشفه بإلحاح استمرار بعض السياسيين في استدعاء ملف فيضانات إقليم تاونات، خارج سياقه الزمني والواقعي، بعد أن استكملت التدخلات مسارها وانتهت المرحلة الاستعجالية منذ شهور.
ومن هذه المنطلقات ، لا يعود الأمر مجرد اختلاف في التقدير، بل يتحول إلى نمط تفكير سياسي مقيت قائم على التهويل والتمطيط، حيث تُمدَّد الأزمة اصطناعيًا لتظل صالحة للاستثمار السياسي ولو ببلادة !!.
هذا السلوك لا يعكس حيوية سياسية بقدر ما يفضح أزمة عميقة في إنتاج البدائل لدى -مجازا – اشباه أحزاب تتحول لدكاكين رخيصة مع قرب موعد انتخابات، فتتسول اصواتا عبر كل الترهات الفارغة . فعندما ينضب الرصيد الفكري السياسي وتتخبط الرؤى بفعل عدم فهم صدمة الفشل في التدبير و التسيير الحكومي السابق ما ترك كلفة كبيرة على البلاد بعد ولايتين خرج فيها المغاربة بحقيقة ان تجار الأزمات لا يصلحون لقيادة حكومة .،
فهاهم من جديد يعودون لتدوير الوقائع، وتضخيم التفاصيل، فتُقدَّم كأنها مستجدات، في محاولة منهم لإبقاء الذات الفاعلة داخل دائرة الضوء. فنرى انتقالا من سياسة تُنتج الحلول إلى خطاب يستهلك الأزمات، ومن مسؤولية تُقاس بالأثر إلى حضور يُقاس بالضجيج وهذا بالضبط ما يمارسونه ويحسنونه .
والمفارقة أن هذا الخطاب يقدّم نفسه بوصفه مدافعًا عن “المهمّشين”، بينما يمارس، في العمق، شكلًا من أشكال التضليل ؛ إذ يُختزل المواطن كأداة لاستغلاله ، ويُعاد تقديم معاناته كسلعة رمزية تُتداول في سوق المزايدات. وهنا تتقاطع الشعبوية مع الانتهازية: الأولى تمنح اللغة حدّتها العاطفية، والثانية تمنحها غايتها النفعية.
والأكثر دلالة هو هذا الإصرار على القفز فوق منطق التقييم الموضوعي: ماذا تحقق؟ ما الذي نجح؟ ما الذي تعثّر؟ أسئلة يُفترض أن تؤسس لنقاش عمومي ناضج، لكنها تُستبدل بخطاب انطباعي يُراكم الاتهامات دون سند، ويعيد إنتاج الشك بدل بناء المعرفة.
بهذا المعنى، لا يتم فقط تشويه الوقائع، بل يتم أيضًا إضعاف القدرة الجماعية على الفهم، وهو أخطر ما يمكن أن يُصيب مجال اخلاق السياسة .
فاستدعاء اشباه السياسيين من حزب العدالة والتنمية وقائع بعد انقضاء شروطها الواقعية، وإلباسها طابع الاستمرارية، يكشف عن منطق سياسي يعتبر الزمن مجرد أداة قابلة للتمديد، والوقائع مادة قابلة لإعادة التشكيل وفق الحاجة. وهو منطق لا يكتفي بتبسيط الواقع، بل يعيد صياغته بما يخدم سردية جاهزة، حتى وإن تعارضت مع المعطيات، لانه في الاصل تعشعش الشعبوية البئيسة في عقول تجار الدين بالسياسة ! .
ففي العمق، نحن أمام مفارقة قاسية: خطاب يرفع شعار القرب من المواطن، لكنه يبتعد عن الحقيقة؛ يدّعي الانتصار للضحايا، لكنه يعيد توظيف معاناتهم واستغلالها ؛ يتحدث باسم المسؤولية، بينما يفرغها من مضمونها.
حالة من البؤس السياسي حيث يُختزل الفعل العمومي في القدرة على إثارة الانتباه،.
والاكيد ان هذا المسار، مهما بدا صاخبًا، يحمل في داخله بذور نهايته؛ لأن الوعي المجتمعي، مع تراكم التجارب، يصبح أكثر قدرة على التمييز بين من يشتغل بمنطق الحلول ومن يقتات على اختلاق اللامعنى من كذب وبهتان ومظلومية زائفة . فعند هذه النقطة، لا يعود الضجيج كافيًا، ولا الخطاب المشحون قادرًا على تعويض غياب المضمون.
و الواقع اليوم لا يكمن فقط في كشف هذا النمط من الخطاب السياسي لدى حزب (لامبة) وغيره من الدكاكين السياسوية ، بل في تجاوزه نحو أفق يُعيد الاعتبار لسياسة تُبنى على المعطيات، وتُقاس بالأثر، وتُمارَس بقدر من النزاهة الفكرية ، يحترم من خلالها عقل المواطن وتصان كرامته. دون ذلك، سيظلون في حلقتهم المفرغة، تلك التي افرزت مخططات عناوينها معلومة ومفككة : ( استغلال القضايا ) بنوايا تلفيقية ورمي للاتهامات والاباطيل صوب الإدارة الترابية ، عبر توظيف للقضايا ، ليس باعتبارها ملفات ترافع حقيقي، بل كأدوات يعتقدون انها قد تشكل ضغط ظرفي يفعَّل ضد السلطات الإقليمية والمحلية، في سلوكات مخطط لها ، وتعد انزياحًا فاضحا من السياسة بوصفها ممارسة اقتراح وتدبير، إلى السياسة بوصفها ممارسة ضغط وإبتزاز سياسي قبيل كل محطة انتخابية . فبدل أن يتم تفعيل القنوات المؤسساتية للنقاش والتقييم، يتم اللجوء إلى خطاب تضليلي ، يزاوج بين لغة الاتهام ولغة التهويل.
وهذا الخواء لا يكمن فقط في محتوى هذا الخطاب، بل في آليته. فهو يعتمد على ما يمكن تسميته بـ “إنتاج الأزمة الرمزية”: أي خلق تصور عام بوجود اختلالات حادة، حتى في غياب معطيات دقيقة أو تقييم مؤسساتي موضوعي. وهي عملية تسمح بتحويل النقاش من مستوى الوقائع إلى مستوى الانطباعات، ومن مجال التقييم إلى مجال الاتهام، وهو ما يضعف جودة النقاش العمومي ويشوّه إدراك المواطنين للواقع .
كما أن ربط هذا النمط من الاستغلال السياسي بالمحطات الانتخابية يكشف عن بعد آخر أكثر دلالة، يتمثل في توظيف الزمن السياسي كأداة استراتيجية. فقبل الانتخابات، يهرولون عبر رفع منسوب مخططاتهم بشكل لافت، من خلال تضخيم بعض الملفات أو إعادة إحياء أخرى، ليس بهدف إيجاد حلول، بل بهدف خلق مناخ من التشكيك والضغط والابتزاز السياسي – فتحولت الممارسة السياسية من وظيفة رقابية مشروعة إلى أداة ضغط غير مؤسساتية، تُستخدم خارج قواعد التحقق والمعطى والبرهان …
فتصعد تلك الاحزاب الهجوم على الإدارة الترابية قبيل الانتخابات كجزء من مخطط سياسي يُشتغل وفق منطق مرحلي مدروس، يقوم على إعادة تشكيل النقاش العمومي بشكل يخدم أهدافًا انتخابية محددة. مخطط يبدأ عادة بمرحلة رصد القضايا القابلة للتوظيف والاستغلال السياسي ، حيث يتم انتقاء ملفات ذات حساسية اجتماعية أو إنسانية، ثم الانتقال إلى مرحلة التضخيم وإعادة التأطير عبر تقديم هذه القضايا في صورة أزمات بنيوية، بغض النظر عن سياقها الزمني أو مدى معالجتها فعليًا. بعد ذلك، يتم تفعيل خطاب اتهامي تصعيدي يستهدف الإدارة الترابية، بهدف إضعاف صورتها أمام الرأي العام، وخلق انطباع عام بوجود اختلالات عميقة. وفي مرحلة لاحقة، يتم تقديم مناضلون سياسيون من ورق كبديل “نضالي ظرفي ”، عبر ادعاء القرب من المواطن والترافع باسمه، بما يعزز الحضور السياسي ويهيئ الأرضية الانتخابية تحت يافطات – ها نحن هنا – جئنا بعد غياب !!.
وهذا التسلسل بقليل من التمعن يكشف أن الأمر لا يتعلق بنقد عابر، بل باستراتيجية قائمة على إنتاج الأزمة كأداة سياسية، حيث تتحول القضايا من موضوع للمعالجة إلى وسيلة للتموقع !. و هذا النمط المخطط ، رغم فعاليته الظرفية لهؤلاء الكائنات الانتخابوية ، يحمل في طياته مخاطر كبيرة، أبرزها إضعاف الثقة في المؤسسات، وتشويش النقاش العمومي، وتحويل السياسة من فضاء لبناء الثقة في دولة الحق والقانون والمؤسسات إلى ساحة فوضى …!! بما يستوجب ضرورة كشف هذه المخططات…
كيف تُصنع الأزمات قبل الانتخابات ؟ في تشريح للبؤس السياسي المقنّع !

