بقلم جليلة بنونة
كم من مأساة كان يمكن تفاديها لو كسر الصمت في الوقت المناسب؟ وكم من طفل دفع ثمن تردد الكبار وخوفهم من المواجهة؟ فبين جريمة تهز الرأي العام وأخرى تمر في صمت، يبقى سؤال واحد يفرض نفسه بإلحاح: هل الخطر الحقيقي هو المعتدي وحده، أم أيضا ذلك الصمت الذي يسمح له بالاستمرار؟
القضية التي هزت مدينة ابن جرير وأثارت موجة واسعة من الغضب والتضامن، بعد تعرض طفلة لا يتجاوز عمرها سبع سنوات لاعتداء جنسي مروع يشتبه في ارتكابه من طرف شاب يبلغ من العمر 22 سنة، لا تختزل فقط بشاعة فعل إجرامي صادم، بل تكشف جانبا أكثر عمقا وخطورة يتعلق بثقافة الصمت والتستر والتغاضي عن السلوكيات المريبة قبل أن تتحول إلى مآس تهدد أمن الأطفال وسلامتهم.
فالصدمة التي خلفتها هذه الواقعة أعادت إلى الواجهة أسئلة مؤلمة حول مسؤولية المجتمع في حماية أطفاله. فكم من شخص يثير سلوكه الشكوك داخل محيطه العائلي أو الاجتماعي دون أن يتم الإبلاغ عنه؟ وكم من تصرفات مقلقة يجري التغاضي عنها بدعوى أن الأمر “سيحل داخل الأسرة” أو أن الحديث عنه قد يجلب الحرج للعائلة؟
وتؤكد الدراسات النفسية أن الاعتداء على الأطفال ليس سلوكا عشوائيا يظهر فجأة في كل الحالات، بل غالبا ما تسبقه مؤشرات وسلوكيات مقلقة قد يلاحظها المحيطون بالشخص المعني. وتشير الأدبيات العلمية إلى أن بعض المعتدين قد يعانون من اضطرابات نفسية أو انحرافات سلوكية مشخصة، بينما تدفع آخرين دوافع مرتبطة بالرغبة في السيطرة أو استغلال ضعف الضحية. غير أن وجود اضطراب نفسي، إن ثبت، لا يمكن أن يشكل بأي حال مبررا أو تخفيفا لخطورة الأفعال المرتكبة أو للمسؤولية المترتبة عنها.
كما تشير الأبحاث إلى أن المعتدي على الأطفال غالبا لا يلجأ إلى العنف المباشر منذ البداية، بل يعتمد أساليب تلاعب تدريجية تعرف بـ”الاستدراج” أو “بناء الثقة الزائفة”، حيث يسعى إلى كسب ثقة الطفل أو أسرته وإخفاء نواياه الحقيقية. ولهذا السبب، فإن اليقظة المجتمعية والتبليغ المبكر عن السلوكيات المريبة يظلان من أهم وسائل الوقاية والحماية.
المؤلم أن بعض الأسر قد تكتفي بإبعاد أطفالها عن شخص تثير تصرفاته الريبة، معتقدة أنها بذلك حلت المشكلة. لكن الحقيقة أن الخطر لا يختفي بالصمت، بل ينتقل إلى أطفال آخرين قد لا يدرك ذووهم شيئا عنه. فحين يستبدل التبليغ بالخوف من العيب، وتقدم سمعة الأشخاص أو العائلات على سلامة الأطفال، يتحول الصمت إلى بيئة خصبة تسمح باستمرار المخاطر وتهدد أمن المجتمع بأكمله.
ولعل أخطر ما في هذه القضايا أن الجريمة لا تبدأ لحظة وقوعها، بل تبدأ أحيانا منذ أول إشارة تم تجاهلها، وأول شك تم السكوت عنه، وأول سلوك مريب فضل التغاضي عنه. فحين يختار المجتمع الصمت، فإنه يمنح الخطر فرصة إضافية للتوسع والتمدد، ويجعل الأطفال الحلقة الأضعف في معادلة كان يفترض أن توفر لهم الحماية والأمان.
وتكشف العديد من التقارير أن نسبة مهمة من حالات الاعتداء على الأطفال تقع داخل دوائر قريبة من الضحية، سواء تعلق الأمر بأشخاص معروفين للأسرة أو بمحيطها الاجتماعي. وهذا ما يجعل مسؤولية الحماية جماعية، تبدأ من الأسرة ولا تنتهي عند المدرسة أو السلطات المختصة، بل تشمل كل فرد يلاحظ سلوكا خطيرا أو مؤشرا يستوجب الإبلاغ والمتابعة.
اليوم، تعيش أسرة الطفلة لحظات قاسية، فيما يواصل الرأي العام متابعة تطورات القضية في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات والمساطر القضائية. وبينما يبقى الفصل في الوقائع من اختصاص العدالة وحدها، فإن السؤال الحقيقي يظل موجها إلى المجتمع كله: كم طفلا آخر يجب أن يدفع الثمن قبل أن نتخلص من ثقافة الصمت؟ وكم مأساة نحتاجها حتى ندرك أن التستر على السلوكيات الخطيرة لا يحمي أحداً، بل يهدد سلامة الأبرياء؟
إن التضامن مع الضحايا واجب إنساني وأخلاقي، لكنه لا يكفي وحده. فالحماية الحقيقية تبدأ قبل وقوع الجريمة، حين يتحول الوعي إلى يقظة، والشك المشروع إلى تبليغ مسؤول، والخوف إلى شجاعة مدنية تضع أمن الأطفال فوق كل اعتبار.
فالأطفال لا يحتاجون فقط إلى التعاطف بعد المأساة، بل يحتاجون إلى مجتمع يرفض الصمت، ويواجه الخطر في بداياته، ويؤمن أن السكوت عن السلوكيات المريبة قد يكون شراكة غير مباشرة في صناعة المأساة.
بقلم: جليلة بنونة
هذه النسخة أكثر قوة من حيث المقدمة والربط بين الفقرات والخاتمة، وتحافظ على الطابع التحليلي والإنساني للمقال.

