قراءة في كتاب “جراح المدن” لعبد العزيز الراشدي، الرحلة بوصفها عبوراً نحو الذات

قراءة في كتاب “جراح المدن” لعبد العزيز الراشدي، الرحلة بوصفها عبوراً نحو الذات

جواد جعواني

يشكل كتاب “جراح المدن، من درعة إلى شيكاغو” للكاتب المغربي عبد العزيز الراشدي، الصادر عن دار المتوسط في 93 صفحة، وفي طبعة أنيقة، محطة جديدة داخل تجربة كاتب راكم بهدوء مسارا خاصاً في الكتابة السردية وأدب الرحلة. يأتي هذا العمل بعد “مطبخ الحب” التي اقترب فيها من هشاشة العلاقات الإنسانية داخل الفضاء الحضري، و”سندباد الصحراء” الذي حمل روح الرحالة المفتون بالأمكنة البعيدة والثقافات المختلفة، غير أن “جراح المدن” يبدو أكثر قربا من الذات، وأكثر التصاقا بأسئلة الإنسان وهو يعبر المدن محملا بقلقه وحنينه وأسئلته الصغيرة.

منذ الصفحات الأولى، يشعر القارئ أن الراشدي يكتب بروح مسافر متعب قليلا من العالم، لكنه ما يزال يحتفظ بدهشة خفيفة أمام الناس والأمكنة والتفاصيل العابرة، فالرحلة هنا لا تسير ضمن خط جغرافي واضح فقط، وإنما تتشكل أيضاً داخل ذاكرة الكاتب ومشاعره وتأملاته، المدن التي يعبرها لا تظهر كفضاءات سياحية باردة، وإنما ككائنات حية لها نبضها الخاص، وأصواتها، ووحدتها، وجراحها الخفية.

يحمل العنوان “جراح المدن” كثافة دلالية واضحة، لأن الجرح في هذا الكتاب لا يخص المكان وحده، إنما الإنسان، فالكاتب يرى المدن بعين حساسة تلتقط التعب الإنساني المختبئ خلف الواجهات اللامعة والقطارات السريعة والمقاهي المكتظة. لذلك تبدو شيكاغو وأنتويرب وبراغ والقاهرة، وغيرها من المدن محطات لاكتشاف شيء أعمق من المعالم والشوارع..شيء يتعلق بالوحدة والحنين والعلاقة المربكة بين الإنسان والعالم الحديث.

أثناء القراءة، ينتاب القارئ إحساس بأن الراشدي لا يراقب المدن من الخارج، إنما يمشي داخلها كما لو أنه يحاول الإنصات إليها، كل تفصيل صغير يتحول عنده إلى لحظة تأمل..ابتسامة عابرة..حديث قصير مع سائق طاكسي.. صمت محطة القطار..أو رجل وحيد يجلس في مقهى بعيد، تلك التفاصيل البسيطة تمنح النص حرارة إنسانية نادرة وتجعل الرحلة تبدو قريبة من الحياة اليومية أكثر من قربها من الكتابة السياحية التقليدية.


لغة الكتاب من أجمل عناصره، إنها لغة هادئة، شفافة، خالية من الاستعراض، لكنها محملة بإحساس داخلي عميق. هنا نجد أن الكاتب يكتب كما لو أنه يتحدث إلى صديق قديم.. لذلك يشعر القارئ بالقرب من النص ومن صاحبه في الوقت نفسه، وحتى حين يتأمل قضايا كبيرة مثل الغربة أو العزلة أو تحولات المدينة الحديثة، فإنه يفعل ذلك من خلال مشاهد بسيطة ومواقف إنسانية مألوفة.

ويبدو حضور الصحراء المغربية داخل النص لافتاً رغم كل المسافات.. فالكاتب يحمل مكانه الأول معه أينما ذهب، وكأن درعة تسافر داخله باستمرار، لهذا تبدو المقارنة بين المدن الأوروبية وفضاءات الطفولة الجنوبية حاضرة بطريقة هادئة وغير مباشرة، ليست هناك أحكام جاهزة أو انبهار ساذج بالغرب، وإنما محاولة إنسانية لفهم الاختلاف واكتشاف الذات عبر الاحتكاك بالآخر.

وفي هذا المستوى تحديداً، يقترب الكتاب من روح الكتابات الأنثروبولوجية الكبرى التي جعلت من الرحلة أداة لفهم الإنسان والثقافة، فثمة شيء من الحس التأملي الذي نجده عند كلود ليفي ستروس في “مدارات حزينة”، حيث يتحول السفر إلى مناسبة للتفكير في الحضارة والحداثة والهشاشة الإنسانية. كما يمكن أن نلمح صدى بعيداً لكتابات عبد الله حمودي، خاصة في مؤلفه الشهير “حكاية حج، موسم في مكة”، الذي تجاوز فيه وصف طقوس الحج وأمكنته نحو تفكيك التجربة الإنسانية والشعورية للحاج داخل فضاء مليء بالرموز والتحولات الروحية.
وبالطريقة نفسها تقريباً، لا يكتفي الراشدي بوصف المدن التي يعبرها، وإنما يحاول الإصغاء إلى ما تخفيه من أسئلة ووحدة وقلق إنساني، لذلك تبدو الرحلة في “جراح المدن” أقرب إلى تجربة داخلية عميقة منها إلى مجرد انتقال بين الأمكنة.

ومن جهة أخرى، يستعير الراشدي شيئاً من حساسية الأنثروبولوجي الفرنسي مارك أوجيه، خاصة مؤلفه الشهير “اللاأمكنة، مدخل إلى أنثروبولوجيا الحداثة المفرطة”، حيث تتحول الفضاءات الحديثة، كالمطارات ومحطات القطار والفنادق وطرق العبور، إلى أمكنة بلا ذاكرة حقيقية وبلا روابط إنسانية عميقة. ففي هذا العالم السريع والمتشابه، يعيش الإنسان المعاصر نوعاً من الاقتلاع الصامت، كأنه يعبر الأمكنة دون أن ينتمي إليها بالكامل.

غير أن الراشدي يقترب من هذه الفكرة بحساسية أدبية وإنسانية واضحة؛ فهو لا يقرأ المدينة بعين الباحث الذي يفسر الظواهر من الخارج، وإنما بعين إنسان يشعر بثقل العزلة التي تنتجها المدن الكبرى. لذلك تتحول الأمكنة العابرة في “جراح المدن” إلى فضاءات تكشف هشاشة الإنسان، ذلك الكائن الذي صار محاطاً بالناس والضجيج ووسائل التواصل، لكنه يحمل داخله شعوراً خفياً بالوحدة والتيه وفقدان الألفة.

الكتاب أيضاً تأمل طويل في معنى الكتابة. ففي أكثر من موضع، يبدو الراشدي متعباً من فكرة أن الكتابة قادرة على تغيير العالم، لكنه مع ذلك يستمر في الكتابة كما لو أنها طريقته الخاصة لمقاومة الفراغ والعزلة وثقل الأيام، فالكتابة هنا تشبه محاولة صغيرة للنجاة، أو طريقة لإنقاذ شيء هش داخل الإنسان قبل أن يبتلعه صخب العالم.

على المستوى الفني، يعتمد الكاتب على فصول قصيرة نسبيا وإيقاع هادئ يمنح النص نفسا تأمليا واضحا، حيث تتقدم الرحلة عبر التفاصيل الصغيرة أكثر مما تتقدم عبر الأحداث الكبرى أو المغامرات الصاخبة، ومن خلال هذا الاختيار الفني، ينجح الراشدي في خلق قرب إنساني عميق مع القارئ، إذ يشعر هذا الأخير أن الكاتب يتقاسم معه جزءا من تجربته الداخلية وهواجسه وأسئلته الشخصية، كما تمنح النبرة التأملية التي تسكن الكتاب نوعاً من الانسجام الشعوري، حيث تعود أسئلة الغربة والوحدة والكتابة كخيط داخلي يرافق الرحلة من بدايتها إلى نهايتها، وهو ما يضفي على النص دفئاً إنسانياً وإحساساً صادقاً بالقرب من الذات.

ومع انتهاء الرحلة، يخرج القارئ من “جراح المدن” وهو يشعر أنه رافق كاتباً كان يعبر الأمكنة بخفة الرحالة وقلق الإنسان في الآن نفسه. فعبد العزيز الراشدي وصف لنا المدن التي زارها كفضاءات تنبض بالحياة والأسئلة والحنين، لذلك تبدو الرحلة في هذا الكتاب أقرب إلى بحث هادئ عن المعنى، وعن ذلك الجزء الهش داخل الإنسان الذي يظل مهما ابتعد وسافر في حاجة دائمة إلى الألفة والدفء والانتماء.

الاخبار العاجلة