بوجلود أم هالوين مغربي؟.. حين يلون التراث الشعبي بأقنعة مستوردة

بوجلود أم هالوين مغربي؟.. حين يلون التراث الشعبي بأقنعة مستوردة

جليلة بنونة

عادت الاحتفالات المرتبطة بمهرجان “بوجلود” أو “بيلماون”و يعود الجدل من جديد حول التحولات التي طرأت على هذا الطقس الشعبي العريق، والذي ظل لعقود طويلة جزءا من الذاكرة الجماعية لسكان مناطق سوس وبعض جهات الجنوب المغربي، قبل أن يجد نفسه اليوم في قلب نقاش متصاعد حول حدود التجديد ومخاطر تشويه التراث.

فـ”بيلماون” لم يكن في أصله سوى احتفال شعبي بسيط يقام عقب عيد الأضحى، يرتدي خلاله بعض الشباب جلود الأضاحي ويجوبون الأزقة والساحات في أجواء احتفالية يغلب عليها الطابع الفرجوي والفكاهي، في تعبير رمزي متجذر في الثقافة الأمازيغية المحلية. وقد ارتبط هذا التقليد لعقود بقيم التعايش والفرجة الشعبية وإحياء الروابط الاجتماعية داخل الأحياء والقرى.

غير أن النسخ الحديثة من هذا المهرجان باتت تثير موجة متزايدة من الانتقادات، بعدما شهدت تحولا لافتا في طبيعة الأزياء والأقنعة المستعملة، حيث حلت شخصيات مرعبة مستوحاة من أفلام الرعب العالمية وأزياء شبيهة باحتفالات “الهالوين” محل المظاهر التقليدية التي كانت تميز “بوجلود” في شكله الأصلي.

ويرى عدد من المهتمين بالشأن الثقافي أن ما يجري اليوم لا يمكن اعتباره مجرد تطوير طبيعي لطقس تراثي، بل يمثل نوعا من التهجين الثقافي الذي يفقد الموروث المحلي خصوصيته وهويته الأصلية. فبدل تقديم التراث في صورته الأصيلة وتثمين عناصره الرمزية، أصبح بعض المشاركين يتجهون نحو استنساخ نماذج أجنبية لا تمت بصلة إلى السياق الثقافي المغربي، مما يجعل المهرجان أقرب إلى عروض تنكرية مستوردة منه إلى احتفال متجذر في الذاكرة الشعبية.

ويحذر نقاد هذا التوجه من أن الانبهار بالثقافات الوافدة قد يدفع إلى تذويب الخصوصيات المحلية داخل قوالب عالمية جاهزة، حيث يتم استبدال الرموز التراثية بأقنعة وأشكال بصرية دخيلة بحثا عن الإثارة وجذب المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد يعكس أحيانا هيمنة الثقافة الرقمية على حساب الأصالة التاريخية.

ولا يقف الجدل عند حدود الأزياء فقط، بل يمتد إلى بعض السلوكيات التي ترافق الاحتفالات، والتي يرى متابعون أنها ساهمت في تشويه صورة المهرجان وتحويله من مناسبة للفرجة الشعبية إلى مصدر للانزعاج والفوضى في بعض الحالات، خاصة عندما تتجاوز الممارسات حدود الاحتفال المشروع إلى تخويف المارة أو مضايقة الأطفال والنساء.
وفي مقابل هذه الانتقادات، يؤكد المدافعون عن المهرجان أن التراث بطبيعته قابل للتطور والتجدد، وأن الأجيال الجديدة من حقها التعبير عن رؤيتها الخاصة للاحتفال. غير أن هذا الطرح يثير بدوره سؤالا جوهريا: هل يمكن الحديث عن تطوير للتراث عندما يتم استبدال عناصره الأصلية برموز مستوردة بالكامل؟ أم أن الأمر يتعلق بتغيير يفقد الموروث معناه ويحول المناسبة إلى نسخة محلية من احتفالات عالمية أخرى؟

إن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده أو منعه من التطور، لكنه في المقابل لا يبرر التخلي عن مقوماته الأساسية وهويته الثقافية. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار الماضي أو الحاضر، بل في إيجاد توازن يحفظ روح “بيلماون” باعتباره جزءا من الذاكرة المغربية، دون تحويله إلى احتفال فاقد لخصوصيته تحت تأثير موجات التقليد الثقافي العابرة.
ويبقى السؤال مطروحا: هل سينجح “بوجلود” في الحفاظ على هويته كتراث شعبي مغربي أصيل، أم أن الأقنعة الجديدة ستواصل إخفاء ملامحه الأصلية عاما بعد عام؟

الاخبار العاجلة