فشل تشكيل لجنة تقصي الحقائق في ملف “الفراقشية”.. أسئلة الرقابة والشفافية تعود إلى الواجهة

فشل تشكيل لجنة تقصي الحقائق في ملف “الفراقشية”.. أسئلة الرقابة والشفافية تعود إلى الواجهة

مصطفى مجبر

أثار فشل مبادرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول ملف دعم استيراد الأغنام والأبقار، المعروف إعلامياً بملف “الفراقشية”، موجة جديدة من الجدل داخل الأوساط السياسية والبرلمانية، خاصة في ظل حساسية هذا الملف وارتباطه بمليارات الدراهم من الأموال العمومية التي خُصصت لدعم استيراد المواشي ومواجهة تداعيات ارتفاع الأسعار.

فعدم تمكن أصحاب المبادرة من جمع العدد القانوني المطلوب من التوقيعات لا يمكن اعتباره مجرد إجراء مسطري عابر، بل يحمل في طياته دلالات سياسية ورقابية تستحق التوقف عندها. فحين يفشل البرلمان في تفعيل واحدة من أقوى آليات الرقابة التي يمنحها له الدستور، يصبح من حق الرأي العام أن يتساءل عن الأسباب الحقيقية التي حالت دون ذلك، وعن مدى استعداد مختلف الفاعلين السياسيين لفتح هذا الملف أمام تحقيق مؤسساتي شفاف.

لقد شكل ملف دعم استيراد المواشي خلال الأشهر الماضية محور نقاش واسع داخل المجتمع المغربي، بعد الجدل الذي رافق حجم الدعم المقدم والنتائج المحققة على مستوى الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. وبين المواقف المدافعة عن هذه الإجراءات باعتبارها ضرورية لمواجهة الظرفية الاقتصادية الصعبة، والأصوات المطالبة بكشف تفاصيل الاستفادة ومآلات الأموال المرصودة، برز مطلب التحقيق البرلماني كآلية دستورية قادرة على تقديم أجوبة واضحة للرأي العام.

غير أن تعثر تشكيل لجنة تقصي الحقائق يعيد إلى الواجهة سؤالاً أكبر يتعلق بفعالية المؤسسات الرقابية ومدى قدرتها على مواكبة الملفات التي تستأثر باهتمام المواطنين. فالثقة في المؤسسات لا تُبنى بالصمت، ولا تتعزز بتأجيل الأسئلة، بل تترسخ كلما تم فتح الملفات المثيرة للجدل أمام التحقيق والتدقيق والمحاسبة وفق ما يقتضيه القانون.

إن المغاربة لا ينتظرون سجالات سياسية جديدة بقدر ما ينتظرون الحقيقة. حقيقة الأرقام، وحقيقة المستفيدين، وحقيقة الأثر الذي خلفته مليارات الدراهم التي صُرفت باسم حماية السوق الوطنية ودعم القطيع الوطني. لذلك فإن فشل تشكيل لجنة تقصي الحقائق لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف، بل بداية مرحلة جديدة من الوضوح والشفافية والمسؤولية السياسية.

ففي دولة المؤسسات، لا يجب أن تخيف الحقيقة أحداً، ولا ينبغي أن يتحول البحث عنها إلى معركة خاسرة قبل أن تبدأ، ولا أن يُختزل الحق في الرقابة والمساءلة في حسابات سياسية ظرفية تُفرغ المقتضيات الدستورية من مضمونها، لأن قوة المؤسسات تُقاس بمدى قدرتها على فتح الملفات الكبرى، لا على إغلاقها بالصمت أو التعطيل.

الاخبار العاجلة