أثار الشكل الجديد لساحة جامع الفنا بمراكش موجة واسعة من الجدل، بعدما اعتبر عدد من المواطنين والمهتمين بالشأن التراثي أن الساحة فقدت جزءاً من ملامحها التاريخية والجمالية التي ميزتها لعقود طويلة. وبين مؤيد يرى في الأشغال خطوة ضرورية لتحديث البنية التحتية وتحسين ظروف الاستقبال، ومنتقد يعتبر أن الساحة أصبحت بعيدة عن روحها الأصيلة، تتزايد التساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التحول.
ويرى منتقدون أن الإشكال لا يكمن في مبدأ التهيئة بحد ذاته، بل في طبيعة الاختيارات المعمارية والجمالية التي تم اعتمادها، والتي يعتبرون أنها لم تراعِ بشكل كافٍ الخصوصية الثقافية والتاريخية لهذا الفضاء المصنف ضمن التراث الثقافي اللامادي للإنسانية من طرف اليونسكو. فبالنسبة لهم، كان من المفترض أن تحافظ الأشغال على الطابع التقليدي للساحة وأن تعزز هويتها بدل إضفاء ملامح حديثة يصفها البعض بأنها لا تنسجم مع رمزية المكان.
في المقابل، يؤكد القائمون على المشروع أن الأشغال استندت إلى معايير تقنية وهندسية تهدف إلى تحسين جودة الفضاء وضمان سلامة الزوار، خاصة في ظل الإقبال الكبير الذي تعرفه الساحة يومياً. كما يشددون على أن المواد المستعملة اختيرت وفق معايير الاستدامة والصلابة، بما يضمن استمرارية المرفق على المدى الطويل.
غير أن الجدل الدائر اليوم يتجاوز الجانب التقني، ليطرح أسئلة أعمق حول كيفية تدبير المشاريع المرتبطة بالتراث الوطني. فهل يتعلق الأمر فعلاً بسوء في التقدير والتخطيط؟ أم أن الأمر مجرد اختلاف في الرؤية بين من يدافع عن التحديث ومن يطالب بالحفاظ الصارم على الهوية التاريخية؟ وهل تم إشراك الخبراء والمتخصصين والفاعلين المحليين بالشكل الكافي قبل اعتماد التصور النهائي للمشروع؟
تبقى هذه الأسئلة مطروحة بقوة في انتظار اكتمال الأشغال وظهور الصورة النهائية للساحة، التي ظلت لعقود رمزاً عالمياً لمراكش وللمغرب عموماً. وبين الماضي الذي صنع شهرة جامع الفنا، والحاضر الذي يسعى إلى تجديدها، يبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين التطوير والحفاظ على روح المكان التي جعلت منها فضاءً استثنائياً يتجاوز حدود الجغرافيا والتاريخ.


