من معارضة الغلاء إلى تدبيره.. هل فقد الخطاب السياسي انسجامه مع الواقع؟

المغرب العربي بريسمنذ ساعة واحدة
من معارضة الغلاء إلى تدبيره.. هل فقد الخطاب السياسي انسجامه مع الواقع؟

بقلم:ذ.مصطفى مجبر

في الحياة السياسية، قد يختلف الفاعلون حول الحلول والبرامج والاختيارات، لكن ما يصعب على المواطنين تقبله هو التناقض بين الخطاب والممارسة. فالمصداقية لا تُبنى على قوة التصريحات ولا على حدة الانتقادات، بل على مدى انسجام المواقف عندما ينتقل أصحابها من مقاعد المعارضة إلى مواقع المسؤولية.

لقد شكل ملف غلاء الأسعار خلال السنوات الأخيرة أحد أكثر الملفات حضوراً في النقاش العمومي، بالنظر إلى تأثيره المباشر على القدرة الشرائية للمواطنين. وفي خضم هذا الجدل، ارتفعت أصوات سياسية مطالبة بتدخل الدولة بشكل أكثر حزماً لحماية المستهلكين والحد من المضاربات والاختلالات التي تعرفها بعض الأسواق.

غير أن المواطن الذي يتابع الشأن العام لم يعد يكتفي بسماع التصريحات النارية أو المواقف الإعلامية القوية، بل أصبح يقارن بين ما يقال وما يُنجز. فحين تُرفع شعارات المطالبة بالتدخل لمواجهة الغلاء، ثم لا تجد هذه المواقف ما يوازيها من دعم للمبادرات التشريعية أو الرقابية ذات الصلة، يصبح من الطبيعي أن تطرح تساؤلات حول مدى الانسجام بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية.

والأمر لا يتعلق بشخص أو حزب بعينه، بقدر ما يتعلق بإشكالية أوسع تعيشها الممارسة السياسية، حيث تتحول بعض المواقف أحياناً إلى أدوات للتواصل أكثر منها مشاريع فعلية للتغيير. وعندما يشعر المواطن أن بعض التصريحات لا تترجم إلى قرارات ملموسة داخل المؤسسات، فإن ذلك يساهم في تعميق فجوة الثقة بين الناخبين والفاعلين السياسيين.

إن المغاربة الذين يواجهون يومياً ارتفاع أسعار المواد الأساسية لا ينتظرون تبادل الاتهامات أو تسجيل المواقف الإعلامية، بل ينتظرون إجراءات واضحة وفعالة تخفف من أعباء المعيشة. كما أنهم أصبحوا أكثر قدرة على رصد التناقضات ومقارنة الوعود السابقة بالنتائج المحققة على أرض الواقع.

واليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى خطاب سياسي أكثر وضوحاً وانسجاماً، لأن الرأي العام لم يعد يحاكم المسؤولين على ما يقولونه فقط، بل على ما يفعلونه عندما تتاح لهم فرصة القرار. فالمواطن قد يتفهم صعوبة الظرفية الاقتصادية، لكنه يجد صعوبة أكبر في فهم التباين بين الشعارات المرفوعة والمواقف المعبر عنها داخل المؤسسات.

إن أكبر تحد يواجه الفاعل السياسي ليس إطلاق التصريحات الجريئة، بل الحفاظ على انسجامها عندما يصبح جزءاً من منظومة اتخاذ القرار. فالتاريخ السياسي لا يتذكر كثرة الوعود، بقدر ما يتذكر المواقف التي صمدت أمام اختبار المسؤولية.

الاخبار العاجلة