بقلم ذة جليلة بنونة
حين يغلب الطبع التطبع
قصة العقرب والضفدع ليست مجرد حكاية أخلاقية تروى للأطفال، بل هي استعارة فلسفية عميقة عن الطبيعة البشرية وحدود الثقة وإمكانية الإصلاح. فالعقرب حين يلدغ الضفدع وهو يعلم أن فعله سيؤدي إلى هلاكه، لا يتصرف بدافع مصلحة عقلانية، بل بدافع طبيعة متجذرة فيه. أما الإنسان، فإن السلوك الشرير الكامن فيه لا يكون دائما نتاج حسابات منطقية، بل قد يصدر عن سوء نية أو بنية نفسية داخلية عدوانية يصعب التغلب عليها.
يكشف التاريخ الإنساني ازدواجية هذا الكائن المسمى إنسانا، قابليته لفعل الخير، وفي الوقت نفسه استعداده لممارسة الشر. والأغرب أن بعض الأفراد لا يتغيرون سلوكيا ، ولا يتعلمون من الألم الذي ألحقوه بالناس حتى إذا ذاقوه هم أنفسهم، بل يستمرون في إنتاج الأذى ولو ارتد عليهم.
في قصة الضفدع تتجسد حسن النية بينما في العقرب يتجسد الطبع الغالب، أي إن “الطبع يغلب التطبع”، فما ترسخ في الشخصية المريضة يصعب تغييره بالمواعظ. فالذي اعتاد الغدر قد يمارسه حتى في لحظة تهدد وجوده، لأن الفعل الإجرامي أصبح جزءا من هويته.
وتأتي نظرية “المجرم بالميلاد” لعالم الإجرام الإيطالي “لومبروزو” المثيرة للجدل، لتطرح تصورا مفاده أن بعض الأفراد يحملون خصائص بيولوجية ونفسية تجعلهم ميالين إلى الجريمة بطبيعتهم.
ورغم أن هذه النظرية تعرضت لانتقادات علمية واسعة، يبقى السؤال مفتوحا : هل بعض السلوك الإجرامي نتيجة بنية شخصية راسخة، أم هو حصيلة بيئة اجتماعية منحرفة؟
تكشف قصة العقرب عن الشؤم والغدر اللذين قد يتصف بهما الإنسان الغدار، حتى يصبح الحذر منه ميزان العلاقة معه، فيبتعد الناس عنه، أو يتخذون حيطة دائمة تجاهه، أو يلجؤون إلى التحفظ والاحتراز في التعامل معه.
وفي بعض الحالات نلاحظ أن بعض المرضى النفسيين يتقمصون دور الضحية رغم أنهم يمارسون الظلم على الناس استفزازا وابتزازا، لكن حين تنكشف أفعالهم، يتباكون ويبالغون في عرض معاناتهم، فيبدون كأنهم معتدى عليهم لا معتدون.
هذه الآلية تفسر في علم النفس بآلية الإسقاط أو قلب الأدوار، حيث ينسب الشخص للآخرين ما يصدر عنه، أو يحاول الهروب من المسؤولية عبر صياغة سردية المظلومية، رغم أنه في قرارة نفسه يمارس دور الجلاد.
إن خطاب المظلومية ينجح اجتماعيا لأنه يخاطب العاطفة قبل الحقيقة، فالناس تميل إلى الانحياز لمن يبدو متألم أكثر، مما تميل إلى فحص الوقائع. وحين يقدم الألم بوصفه برهانا ، يتحول التعاطف إلى حصانة، ويصبح مجرد التشكيك نوعا من القسوة. وهكذا قد تنتصر المظلومية لا بقوة الحجة، بل بقوة التأثير العاطفي.
ورغم جاذبية فكرة “المجرم بالميلاد”، فإن الفكر المعاصر في علم الإجرام وعلم النفس يؤكد أن الإنسان ليس أسير جيناته أو تكوينه الأولي بالكامل، فالتربية والبيئة والعلاج النفسي والوعي الذاتي يمكن أن تعدل السلوك. غير أن هذا التعديل يفترض شرطا أساسيا هو الاعتراف بالمشكلة.
العقرب لم يحاول مقاومة طبيعته، ولم يسعى إلى تجاوزها. لم يقل: “أخطأت”، بل قال: “هذه طبيعتي”وهنا تكمن الخطورة: حين يتحول الطبع إلى ذريعة أخلاقية.
قصة العقرب والضفدع ليست دعوة إلى سوء الظن بالناس، لكنها تحذير من الثقة العمياء، ليست كل النوايا الطيبة قادرة على تغيير النفوس المعقدة. بعض الطباع إذا استقرت صارت نمطا وجوديا يعيد إنتاج نفسه.
غير أن الفرق بين الإنسان والعقرب، أن الإنسان يمتلك وعيا ومسؤولية أخلاقية. فمن اختار أن يجعل من طبيعته مبررا للشر، فقد تخلى عن إنسانيته. أما من واجه طبعه، واعترف بعيوبه، وسعى إلى إصلاحها، فقد انتصر على “العقرب” الكامن في داخله.
ليس كل من ادعى الألم مظلوما ، وليس كل من بكى بريئا ، فالإنسان يعرف بأفعاله لا بادعاءاته.

