جليلة بنونة
في خطوة تعكس توجها واضحا نحو تشديد الرقابة على تدبير الشأن العام خلال الفترات الانتخابية، تتجه وزارة الداخلية المغربية إلى فرض حظر شامل على تمويل وتنظيم المهرجانات الثقافية والمواسم الشعبية التي تشرف عليها الجماعات الترابية، وذلك مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر. هذا التوجه الذي يأتي في سياق سياسي حساس يندرج ضمن مساع رسمية لضبط المجال العمومي ومنع أي توظيف محتمل للأنشطة الثقافية في الترويج الانتخابي غير المعلن.
وبحسب معطيات متطابقة، فإن القرار المرتقب يستند إلى تقارير صادرة عن الإدارة الترابية رصدت خلال الأشهر الأخيرة مؤشرات مثيرة للانتباه، من بينها برمجة مهرجانات كبرى خاصة في شهر غشت، مع تعبئة ميزانيات مهمة من المال العام، إلى جانب استقطاب دعم من فاعلين في القطاع الخاص. هذه المعطيات أثارت مخاوف من إمكانية استغلال هذه التظاهرات كمنصات غير مباشرة لتلميع صورة بعض المنتخبين وتعزيز حضورهم قبيل انطلاق الحملة الانتخابية الرسمية.
التحرك المرتقب لا يقتصر على البعد المالي فقط، بل يتجاوز ذلك إلى رهانات سياسية مرتبطة بضمان تكافؤ الفرص بين مختلف المترشحين. إذ ترى الجهات المعنية أن استمرار تنظيم مثل هذه الأنشطة في هذه المرحلة قد يخلق نوعا من عدم التوازن، من خلال تمكين بعض الفاعلين من الظهور المكثف أمام الناخبين خارج الإطار القانوني المنظم للحملات الانتخابية، وهو ما قد يفتح الباب أمام الطعن في نزاهة العملية برمتها.
ويحمل القرار أيضا بعدا رقابيا واضحا، حيث يسعى إلى ضبط كيفية صرف ميزانيات الجماعات الترابية، والتأكد من توجيهها نحو أولويات تنموية حقيقية بدل إنفاقها في تظاهرات قد تؤول سياسيا. كما يعكس حرص السلطات على الحفاظ على مبدأ حياد الدولة، خاصة في مرحلة دقيقة يفترض أن يبنى فيها التنافس الانتخابي على البرامج والرؤى، لا على الحضور الاحتفالي والأنشطة الجماهيرية.
في المقابل، يتوقع أن يثير هذا التوجه نقاشا واسعا، خصوصا لدى الفاعلين الثقافيين الذين قد يرون فيه تضييقا على الدينامية الثقافية المحلية، غير أن مصادر مطلعة تعتبر أن الظرفية تفرض نوعا من “التحفظ المؤقت” لتفادي أي تداخل بين الثقافي والسياسي، ولحماية مصداقية الاستحقاقات المقبلة.
في المحصلة، يبدو أن وزارة الداخلية تراهن من خلال هذا الإجراء الاستباقي على تحصين المسار الانتخابي من كل أشكال التأثير غير المباشر، عبر الفصل الصارم بين العمل الثقافي والتوظيف السياسي، بما يضمن انتخابات تقوم على التنافس النزيه والاختيار الحر، بعيدا عن تأثير “بريق المهرجانات” وإغراءاتها.

