الترحال السياسي قبيل الانتخابات.. مصلحة المواطن أم حسابات انتخابية؟

الترحال السياسي قبيل الانتخابات.. مصلحة المواطن أم حسابات انتخابية؟

بقلم: ذ. مصطفى مجبر

كلما اقترب موعد الاستحقاقات الانتخابية، برلمانية كانت أو محلية أو مهنية، يعود سؤال قديم إلى الواجهة، لكنه يزداد إلحاحاً مع كل موسم سياسي: لماذا يغيّر بعض السياسيين مواقعهم الحزبية كلما تغيّرت موازين المرحلة؟

من حزب إلى آخر، ومن لون سياسي إلى لون آخر، تتكرر مشاهد الانتقال، وتُقدَّم في كل مرة تفسيرات مختلفة: البحث عن فضاء سياسي أكثر ملاءمة، اختلاف في الرؤى، رغبة في خدمة المواطنين، أو اقتناع بمشروع حزبي جديد.

وكل ذلك يظل حقاً سياسياً مشروعاً، ما دام يتم وفق القانون والقواعد التنظيمية المعمول بها.

لكن، في المقابل، يحق للمواطن أن يطرح سؤالاً بسيطاً ومشروعاً: هل كل هذا الترحال السياسي تحكمه فعلاً قناعات ومشاريع وأفكار، أم أن بعض التحركات قد تكون مرتبطة بحسابات انتخابية وظرفية؟

السؤال هنا ليس موجهاً إلى شخص بعينه، ولا إلى حزب بعينه، ولا يحمل حكماً مسبقاً على أي فاعل سياسي. بل هو سؤال أوسع يتعلق بصورة العمل السياسي وثقة المواطن في المؤسسات والأحزاب والمنتخبين.

فالمواطن الذي يُطلب منه أن يختار ممثليه، من حقه أيضاً أن يعرف ما الذي تغيّر؟

هل تغيّرت القناعة السياسية؟
هل تغيّر البرنامج؟
هل تغيّر التصور لخدمة المدينة أو الجماعة أو الدائرة الانتخابية؟
أم أن الذي تغيّر هو فقط العنوان الحزبي؟

المشكلة ليست في الانتقال السياسي في حد ذاته؛ فالاختلاف وإعادة تقييم الاختيارات جزء من الحياة السياسية. لكن الإشكال يبدأ حين يصبح المواطن عاجزاً عن التمييز بين الانتقال القائم على قناعة سياسية واضحة، والانتقال الذي قد يفسره البعض بحسابات مرتبطة بالاستحقاقات والمواقع الانتخابية.

وفي زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع، لم يعد من السهل مطالبة المواطن بالتصفيق لكل انتقال أو التعامل معه باعتباره حدثاً سياسياً استثنائياً.

المواطن اليوم يسأل أكثر مما يصفق، ويقارن أكثر مما يصدق، ويتذكر أكثر مما ينسى.

فالأسماء قد تتغير، والألوان الحزبية قد تتبدل، والخطابات قد تتجدد، لكن ذاكرة المواطن الانتخابية لا تتغير بسهولة.

ولعل السؤال الأكثر أهمية ليس: إلى أي حزب انتقل هذا السياسي؟
بل: ماذا سيقدم للمواطن بعد الانتقال؟ وما المشروع الذي يحمله معه؟

فالانتخابات ليست مجرد تغيير للقمصان السياسية، وليست سباقاً نحو المواقع؛ إنها في الأصل لحظة لتقديم البرامج والأفكار والحلول، وطلب ثقة المواطنين على أساس واضح.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس تخوين الترحال السياسي ولا إصدار أحكام جاهزة، وإنما فتح نقاش جدي حول أخلاقيات الممارسة السياسية، ووضوح البرامج، واستمرارية القناعات، وعلاقة المنتخب بالمواطن قبل الانتخابات وبعدها.

وفي النهاية، يبقى المواطن هو الحكم الحقيقي.

وإذا كان السياسي يرى أن انتقاله من حزب إلى آخر يخدم قناعته ومصلحة المواطنين، فليشرح ذلك بوضوح، وليقدم برنامجه، وليترك للناخب وحده مهمة التقييم.

أما محاولة اختزال المواطن في مجرد صوت انتخابي موسمي، فذلك زمن يفترض أن يكون قد ولّى.

لأن المواطن لا يحتاج إلى من يطلب صوته فقط… بل إلى من يقنعه لماذا يستحق هذا الصوت.

الاخبار العاجلة