لم يكن قرار الإعفاء الذي هزّ المديرية الإقليمية للتعليم بإفران مجرد إجراء إداري عابر، بل جاء كخلاصة مسار طويل من الاختلالات التي راكم ضغطها في صمت، قبل أن تنفجر دفعة واحدة، ما تكشف من معطيات ميدانية لا يضعنا أمام أخطاء تدبيرية معزولة، بل أمام بنية كاملة جرى اختطافها تدريجيًا من وظيفتها الأصلية، لتتحول إلى مجال لتوزيع الامتيازات، وإعادة ترتيب موازين القوى لبسط نفوذ عمر طويلا، بعيدًا عن أي اعتبار للمصلحة التربوية.
في العمق، تتقاطع شهادات متعددة حول تغييب ممنهج لمادة التكنولوجيا داخل بعض المؤسسات، ليس بسبب نقص في الأطر، بل نتيجة اختيارات غير مفهومة غيبت هذه المادة من الواقع، وحرمت التلاميذ من حقهم في التعلم. الأخطر هو أنه رغم عدم دراستها تمنح لهم نقط جزافية دون أي تقويم، في خرق واضح لمبدأ تكافؤ الفرص، وتفرغ أستاذها (عضو اللجان الثنائية لاحدى النقابات )للإشراف الموسمي على أحد برامج التكوين في خلية الاعلاميات بالمديرية ما حول مناسبة تكوين الأطر التربوية إلى وليمة توزيع شواهد تكوين دون تنظيم دورات تكوين حقيقية، ما يكشف عن منطق داخلي قائم على صناعة امتيازات وهمية بدل إنتاج معرفة فعلية.
وفي جانب تدبير الموارد البشرية، برزت تكليفات مثيرة للجدل شملت مقتصدين مسؤولان نقابيا جرى سحبهما من مؤسسات تعاني أصلًا من هشاشة، خاصة تلك التي تضم داخليات، دون أي مبرر قانوني واضح. هذه التحركات لم تُفهم كاستجابة لحاجيات المرفق، بل كجزء من إعادة انتشار تخدم توازنات غير معلنة، ما أدى إلى إضعاف مؤسسات حساسة وتعريضها لاختلالات مباشرة في التدبير المالي والإداري.
ملف السكنيات الإدارية فجّر بدوره موجة غضب غير مسبوقة داخل الأوساط التربوية، بعد تسجيل استفادة عدد من المديرين خارج الضوابط القانونية، في حالات شملت حتى أطرًا لا تزاول مهامها داخل نفس الجماعة، أو تتوفر أصلًا على سكن خاص. هذا الواقع لم يُنظر إليه كخطأ معزول، بل كدليل إضافي على تحكم شبكة مصالح في توزيع الامتيازات وفق منطق مغلق، يفتقد لأي شفافية أو عدالة. مصادر مطلعة تؤكد أن هذا الملف تحديدًا كان من بين الأسباب المباشرة التي عجلت بقرار الإعفاء، بالنظر إلى حساسيته وحجم الاحتقان الذي خلفه.
بالتوازي مع ذلك، تم تسجيل حالات تكليف لمديرين بتسيير أكثر من مؤسسة في الآن ذاته، دون حضور فعلي، ما حوّل المسؤولية الإدارية إلى مجرد وضع شكلي يتيح الاستفادة من التعويضات، دون أثر حقيقي على السير اليومي للمؤسسات. هذا الفراغ في القيادة انعكس بشكل مباشر على جودة التدبير، وفتح المجال أمام مظاهر تسيب متعددة.
بالنظر إلى الأقسام الداخلية تتضح الصورة بشكل أكثر قسوة. مؤسسات مثل علال الفاسي وتمحضيت ومحمد الخامس تعيش على وقع اختلالات بنيوية، تتجلى في تهالك التجهيزات وغياب وسائل التدفئة، في إقليم يعرف ببرودة مناخه. إفراغ داخلية طارق بن زياد زاد الوضع تعقيدًا، بعدما أدى إلى اكتظاظ عاتنه داخليات أخرى لا تتوفر على شروط الإيواء الملائمة، في إخلال واضح بأبسط شروط الكرامة الإنسانية للتلاميذ.
المعطيات الميدانية تشير أيضًا إلى وجود أطر تعليمية لا تلتحق بأقسامها بشكل منتظم خاصة مع غياب الرقابة وسيادة منطق الولاءات للمديرية وكذا تأخر افتتاح مؤسسة التفتح… دون أي تدخل إداري يضع حدًا لهذه الممارسات. في المقابل، يتحدث فاعلون عن مناخ داخلي مطبوع بنوع من الضغط غير المعلن، حيث يتم تحييد كل محاولة لطرح هذه الاختلالات، وفرض صمت يضمن استمرار نفس الآليات دون مساءلة.
كل هذه الوقائع، حين تُقرأ بشكل متكامل، ترسم ملامح شبكة نفوذ غير رسمية، تشتغل بمنطق دقيق يقوم على تبادل المصالح، وحماية الأسماء، وإعادة توزيع الأدوار وفق معايير لا علاقة لها بالكفاءة أو الاستحقاق. شبكة نجحت في التغلغل داخل مفاصل القرار، وفرض توازناتها لسنوات، إلى أن بدأت ملامحها تنكشف تدريجيًا.
قرار الإعفاء، بهذا المعنى، لا يمثل نهاية الأزمة، بل لحظة مفصلية في مسار كشف أعمق لمنظومة اختل فيها ميزان القيم، وتم فيها تقديم الولاء على الكفاءة، والانتماء على الاستحقاق. الرهان اليوم لم يعد مرتبطًا بتغيير الأشخاص، بل بمدى القدرة على تفكيك هذه البنية، وإعادة بناء منظومة تدبير قائمة على الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واسترجاع المدرسة العمومية لوظيفتها الأصلية كمجال للإنصاف وتكافؤ الفرص.
إفران: حين تُختطف المدرسة العمومية… تحقيق يكشف “لوبي وأخطبوط” الامتيازات الذي عجل بالسقوط المدوي لرأس مديرية التعليم بإفران

