تقدم إسبانيا نفسها اليوم باعتبارها دولة ديمقراطية حديثة، قطعت مع إرثها الاستعماري وراكمت تجربة سياسية تقوم على المصالحة مع صفحات الماضي. غير أن ملف سبتة ومليلية يظل واحداً من أكثر الملفات التي تكشف مفارقة تاريخية وسياسية يصعب تجاهلها.
فحين يتعلق الأمر بماضي الاستعمار، يبدو الخطاب الإسباني واضحاً في الإقرار بتحولات التاريخ وضرورة تجاوز مآسيه. لكن عندما يصل النقاش إلى المدينتين الواقعتين جغرافياً في شمال إفريقيا، تتغير اللغة، وتصبح مسألة السيادة الإسبانية خطاً أحمر، بينما يعتبر المغرب أن المدينتين جزء من ترابه الوطني.
الخلاف حول سبتة ومليلية يمكن أن يظل موضوعاً سياسياً ودبلوماسياً مفتوحاً للنقاش، شأنه شأن العديد من القضايا الإقليمية العالقة. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في ازدواجية التعامل مع الإرث الاستعماري: كيف يمكن رفض منطق الاستعمار عندما يتعلق الأمر بتاريخ الآخرين، ثم الدفاع عن استمرار واقع تاريخي نشأ في سياقات استعمارية قديمة عندما يتعلق الأمر بشمال إفريقيا؟
والأكثر إثارة للانتباه أن ملف المدينتين لا يظهر فقط في النقاشات الدبلوماسية بين الرباط ومدريد، بل يتحول بين الفينة والأخرى إلى ورقة سياسية داخل إسبانيا، خصوصاً مع تصاعد الخطابات القومية ودخول اليمين واليمين المتطرف على خط القضايا المرتبطة بالهجرة والحدود والسيادة.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة:
إذا كان الاستعمار صفحة من الماضي، فلماذا لا تزال سبتة ومليلية استثناءً من هذا الماضي؟
المغرب ليس مطالباً بالتخلي عن ذاكرته التاريخية من أجل الحفاظ على علاقاته مع إسبانيا. فالعلاقات المغربية الإسبانية يمكن أن تكون استراتيجية، والتعاون بين البلدين يمكن أن يتوسع في مجالات الاقتصاد والأمن والهجرة والاستثمار، لكن ذلك لا يعني أن الملفات التاريخية ستختفي بمجرد تعزيز الشراكة.
بل إن النضج الحقيقي للعلاقات بين الدول يقتضي القدرة على مناقشة القضايا الخلافية بصراحة، بعيداً عن الانفعال أو التهديد أو محاولة فرض رواية تاريخية واحدة.
لقد تغير المغرب، كما تغيرت المنطقة والعلاقات الدولية. وما كان يمكن تأجيله لعقود خلف لغة دبلوماسية هادئة، أصبح اليوم أكثر حضوراً في النقاش العام.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً أمام مدريد: إلى متى سيظل الاستعمار مرفوضاً عندما نتحدث عن التاريخ، ومقبولاً عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية؟
بالنسبة للمغرب، القضية ليست مجرد نقاش عابر، بل ملف يرتبط بالسيادة والذاكرة الوطنية، وسيظل مطروحاً مهما طال الزمن، في انتظار اليوم الذي يجد فيه طريقه إلى تسوية سياسية وتاريخية عادلة.
لا تنازل عن سبتة ومليلية.

