​لقجع والدستور : كيف يُسقط مبدأ التضامن الحكومي ادعاء “الحياد التقني ” للمكلف بالميزانية …

​لقجع والدستور : كيف يُسقط مبدأ التضامن الحكومي ادعاء “الحياد التقني ” للمكلف بالميزانية …

يونس لكحل

​في هذه الحظة الفارقة والتي تتجه فيها البلاد نحو الاستحقاقات الانتخابية البرلمانية، خرج الوزير المكلف بالميزانية بتصريح يختزل فيه دوره التنفيذي في مجرد “صندوق ميزانية صامت!”، متملصًا من أي مسؤولية عن تعثر عدد من السياسات العمومية بحسبه ، ومُلقيًا باللائمة على باقي القطاعات الوزارية. فهذا الطرح لا يمثل مجرد هروب إلى الأمام، بل ينطوي على تناقض صارخ يمس جوهر العمل السياسي والتنفيذي .

” ​من جلباب التكنوقراط إلى معترك “البام”: الحساب العسير للسياسة”

​لم يعد ممكناً بلع التبريرات التكنوقراطية المستهلكة؛ فالرجل الذي استظل لسنوات بظلال “الحياد التقني” قرر فجأة الارتماء في أحضان المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة (البام)، خائضاً غمار الممارسة السياسية المباشرة. غير أن عدم ترشحه للانتخابات ودخوله للمكاتب السياسية لا يمنحه حصانة من المساءلة، بل يضعه كفاعل سياسي تحت مجهر النقد، حتى وإن ظل لسنوات مختبئاً وراء يافطة التكنوقراط.
فعلى لقجع أن يعي أن السياسة ليست غنائم ومناصب يُحتفى بها وقت الرخاء، وتبرؤاً من الفشل عند وقوف الحساب أمام المواطنين.

” ​خرق التضامن الحكومي: الدستور ليس “كارطة” لتنصل المسؤولين”

​إن ادعاء لقجع الذي نزل لمعارك السياسة كلاعب في دوري كروي— بأنه مجرد منفذ تقني، يُعد سقطة بداية تصطدم صراحة مع الدستور المغربي( مبدأ التضامن الحكومي في الفصل 93) الذي يقر بالمسؤولية التضامنية للحكومة. فالسلطة التنفيذية وحدة متكاملة تدافع عن برنامج سياسي واقتصادي موحد، وحين يدافع الوزير عن الميزانية والحصيلة تحت قبة البرلمان، فهو يتبنى نتائج أعمال الحكومة برمتها. أما محاولة القفز من سفينة الحصيلة الحكومية لجني ثمار شخصية أو سياسية، واستغلال أجهزة الدولة دون تحمّل تبعاتها، فتشكل خرقاً لأخلاقيات الممارسة السياسية والدستورية يستدعي المحاسبة.

“صناع القرار المالي ليسوا حراس خزانة وفقط : التقاعس عن التقييم والرقابة”

​كان يجب على لقجع أن يعي أن مهام الوزارة المكلفة بالميزانية لا تقتصر على توزيع الاعتمادات المالية وكأنها “صراف آلي”، بل هي الجهاز الممسك بأهم أدوات التوجيه والرقابة، وفي مقدمتها تقارير نسب إنجاز الميزانيات (Taux\ d’exécution). فصمت قطاع الميزانية عن القطاعات الوزارية التي تتلكأ في تنفيذ مشاريعها أو تسيء استخدام اعتماداتها يُعد تقصيراً صريحاً في الرقابة والإنذار المبكر داخل المجالس الحكومية. فمن يملك مفاتيح “الخزينة” ويوجه الموارد هو من يصنع القرار الاقتصادي، وبالتالي يحمل الجزء الأكبر من أسباب النجاح أو الفشل لان الميزانية ما هي الا خيار سياسي.. مما يستدعي وقف هذا التضليل الفاضح للرأي العام!
​فالأرقام في قانون المالية ليست خطوطاً
صماء، بل هي ترجمة صريحة لأولويات سياسية واجتماعية يُدافع عنها الوزير شخصياً أمام اللجان البرلمانية. واختزال هذه الممارسة في دور “محاسب الميزانية الصامت” هو محاولة لتضليل الرأي العام والتهرب من كلفة الحصيلة، في سلوك لا يليق بتجربة تدبيرية للشأن العام، بل ويسيء للسياسة في هذا الوطن. فالناخب المغربي اليوم بات يدرك جلياً أن من يصنع السياسة المالية لا يحق له ارتداء مسحوق البراءة عند اقتراب صناديق الاقتراع.
​فمن يمسك مفاتيح الخزينة ويصوغ السياسة المالية هو صانع قرار رئيسي. والهروب إلى جلباب سردية “حارس الميزانية التكنوقراطي الصامت” عشية الانتخابات لن ينطلي على رأي عام يدرك تماماً أن من يوزع الكعكة، يتحمل مسؤولية طعمها!

الاخبار العاجلة