جليلة بنونة
لم يعد الحديث عن احتلال الملك العمومي بمدينة قلعة السراغنة مجرد نقاش موسمي يعود مع كل حملة لتحرير الأرصفة، بل أصبح واحدا من أكثر الملفات التي تثير الجدل داخل المدينة. فبين مواطن يبحث عن رصيف آمن يسير فوقه، وتاجر نظامي يؤدي ما عليه من ضرائب ورسوم، وبائع متجول لا يملك سوى الشارع مصدرا للرزق، تتشابك المصالح وتتداخل الحقوق، لتتحول الأرصفة والشوارع إلى ساحة مفتوحة لصراع يومي صامت.
في عدد من شوارع المدينة، وعلى رأسها شارع أمليل وشارع الحسن الثاني وأحياء أخرى، أصبحت الأرصفة في كثير من الأحيان خارج وظيفتها الأصلية. فالمارة يضطرون إلى النزول إلى الطريق بسبب السلع المعروضة، فيما تتحول بعض الأزقة والشوارع إلى أسواق مفتوحة تعيق حركة السير وتخلق حالة من الازدحام الدائم.

غير أن اختزال الظاهرة في مجرد خرق للقانون قد يكون تبسيطا لمشكلة أكثر تعقيدا. فالكثير من الفراشة لم يختاروا الشارع حبا في الفوضى، بل دفعهم إليه واقع اقتصادي صعب، وندرة فرص الشغل، وارتفاع تكاليف الاستثمار التجاري. بالنسبة لعدد منهم، يشكل الرصيف آخر فرصة لتأمين لقمة العيش وإعالة أسرهم في ظل ظروف اجتماعية متزايدة الصعوبة.
لكن في المقابل لا يمكن تجاهل معاناة فئة أخرى من المتضررين، ويتعلق الأمر بأصحاب المحلات التجارية النظامية الذين استثمروا أموالهم والتزموا بالقوانين، ويتحملون مختلف الرسوم والضرائب والتكاليف. هؤلاء يرون أن المنافسة أصبحت غير متكافئة، وأن جزءا مهما من النشاط التجاري انتقل إلى الشارع دون أن يخضع للشروط نفسها التي يخضعون لها.

أما المواطن العادي فيجد نفسه الخاسر الأكبر. فهو الذي يفقد حقه في استعمال الرصيف ويضطر إلى السير وسط الطريق معرضا نفسه لمخاطر حوادث السير. كما يواجه صعوبات يومية في التنقل بسبب الاختناق الذي تسببه الفوضى التجارية في عدد من المحاور الحيوية للمدينة.
وتزداد الإشكالية تعقيدا عندما نتحدث عن الأسواق النموذجية التي أنشئت لاستقبال الباعة المتجولين. فهذه الفضاءات، التي رصدت لها إمكانيات مهمة، كان الهدف منها إيجاد حل يضمن كرامة البائع ويحفظ في الوقت نفسه النظام داخل المدينة. غير أن جزءا من هذه التجربة لم يحقق النتائج المنتظرة، سواء بسبب ضعف الإقبال التجاري داخل بعض الأسواق أو بسبب تمسك عدد من الباعة بالمواقع التي اعتادوا البيع فيها لما توفره من حركة تجارية أكبر.

من هنا، يبدو واضحا أن الحل لا يكمن في حملات موسمية تنتهي بعودة الوضع إلى ما كان عليه، كما لا يكمن في التغاضي عن الظاهرة وتركها تتوسع أكثر. المطلوب هو رؤية متكاملة تجمع بين البعد الاجتماعي والبعد التنظيمي، من خلال توفير فضاءات تجارية جاذبة ومؤهلة، ومواكبة الباعة الراغبين في الاندماج داخل الاقتصاد المنظم، مع التطبيق العادل للقانون على كل من يحتل الملك العمومي دون وجه حق، سواء كان بائعا متجولا أو صاحب محل تجاري.
فالمدينة ليست ملكا لفئة دون أخرى، والرصيف لم ينشأ ليكون متجرا، كما أن الحاجة إلى العمل لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم للفوضى. وبين حق “الفراشة” في البحث عن مورد للعيش وحق المواطنين في التنقل الآمن والمنظم، يبقى دور السلطات المحلية أساسيا في إيجاد التوازن الذي يحفظ كرامة الجميع ويعيد للفضاء العمومي وظيفته الطبيعية.
إن قلعة السراغنة لا تحتاج إلى حرب ضد “الفراشة” ولا إلى استسلام أمام الأمر الواقع، بل تحتاج إلى سياسة واضحة تجعل من القانون أداة للتنظيم لا للعقاب، ومن التنمية وسيلة لخلق البدائل لا مجرد شعار يرفع عند كل أزمة. فنجاح المدينة يقاس بقدرتها على حماية حق الجميع: حق البائع في العيش، وحق التاجر في المنافسة العادلة، وحق المواطن في المرور داخل مدينة منظمة تحترم ساكنتها وزوارها على حد سواء.

