من بوسكورة إلى مراكش.. لماذا تتكاثر الوحوش في الشارع المغربي ومن المسؤول عن إغلاق مصانعها؟

من بوسكورة إلى مراكش.. لماذا تتكاثر الوحوش في الشارع المغربي ومن المسؤول عن إغلاق مصانعها؟

جليلة بنونة

في ليلة واحدة، تحولت عشرات السيارات المركونة بأحد أحياء بوسكورة إلى هياكل محطمة بعد أن عبث بها جانحون لم يجدوا حرجا في الاعتداء على ممتلكات الغير. وفي مدينة مراكش، انتشر كالنار في الهشيم شريط فيديو تدعي فيه سائحة أجنبية أنها اشترت قطعة بيتزا مقابل مائتي يورو، قبل أن تكشف التحقيقات الأمنية زيف الرواية وتفند الادعاءات المتداولة. وفي مدينة الدروة، تتداول مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد لامرأة تعرضت للعنف، بينما لا يكاد يمر يوم دون أخبار عن شجارات بالسيوف أو اعتداءات في الشارع العام.

قد تبدو هذه الوقائع متفرقة، لا يجمع بينها شيء. فهذه جريمة تخريب، وتلك إشاعة رقمية، وهذه حالة عنف، وتلك شجارات في الشارع. لكن إذا تجاوزنا ظاهر الأحداث ونظرنا إلى جذورها، سنكتشف أننا أمام ظاهرة واحدة بأقنعة متعددة: ظاهرة الوحوش التي يصنعها المجتمع ثم يفاجأ بظهورها.

عندما يحطم شخص عشرات السيارات، فإن المشكلة لا تكمن فقط في الفعل الإجرامي نفسه، بل في العقلية التي جعلت الممتلكات العامة والخاصة بلا قيمة في نظره. وعندما ينشر شخص خبرا كاذبا أو يروج رواية مفبركة دون تحقق، فإن الخطر لا يقتصر على الكذب، بل يمتد إلى تحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة للفوضى وتشويه الحقائق.
وعندما يرفع شاب سيفا في وجه آخر بسبب خلاف تافه، أو يعتدي شخص على امرأة بالعنف، فإننا لا نرى مجرد لحظة غضب عادية، بل نرى نتيجة سنوات من التطبيع مع العدوان و عدم احترام القانون.
المشكلة أن المجتمع غالبا ما ينشغل بالنتائج وينسى الأسباب.
نطالب باعتقال الجانحين، ومعاقبة المعتدين، ومتابعة مروجي الأخبار الكاذبة، وهو أمر ضروري لا نقاش فيه. لكن بعد كل ذلك يبقى السؤال قائما: لماذا تتكرر هذه الوقائع يوما بعد يوم؟
لا يمكن فهم هذه الظواهر بعيدا عن البيئة التي تنتجها. فهناك أحياء تعاني الهشاشة والتهميش، وأسر فقدت القدرة على التأطير والتوجيه، ومدارس انشغلت بالتلقين وأهملت التربية على المواطنة، وفضاءات رقمية تكافئ الإثارة أكثر مما تكافئ الحقيقة. وهناك أيضا ثقافة متنامية تجعل بعض الشباب يبحثون عن الشهرة عبر العنف، أو عن الحضور عبر الاستفزاز، أو عن القوة عبر التخويف.
لقد أصبحنا نعيش زمنا يستطيع فيه شخص أن يدمر ممتلكات عشرات الأسر في دقائق، أو أن يشوه صورة مدينة بأكملها عبر فيديو مضلل، أو أن يحول خلافا بسيطا إلى مواجهة دامية. وهذه ليست مجرد أفعال فردية معزولة بل مؤشرات على وجود خلل أعمق يحتاج إلى معالجة جماعية.

إن هدم مصانع الوحوش يبدأ من الاعتراف بأن الأمن وحده، مهما بلغت فعاليته، لا يستطيع خوض المعركة بمفرده. فالأمن يتدخل عندما يقع الفعل، أما المجتمع فيجب أن يتدخل قبل وقوعه. تبدأ المعركة داخل الأسرة التي تزرع الاحترام والمسؤولية، وفي المدرسة التي تربي على التفكير والانضباط، وفي الإعلام الذي يواجه التفاهة والتضليل، وفي الفضاء الرقمي الذي يحتاج إلى ثقافة تحقق قبل النشر.
إن أخطر ما في هذه الوقائع ليس عدد السيارات المحطمة، ولا عدد الفيديوهات الكاذبة، ولا عدد الشجارات التي تتصدر الأخبار بل اعتيادنا عليها. فحين يصبح العنف خبرا عاديا، والتخريب مشهدا مألوفا والإشاعة حدثا يوميا، نكون قد سمحنا للمصنع بالاستمرار في العمل دون أن نشعر.
لهذا فإن المعركة الحقيقية ليست ضد جانح هنا أو معتد هناك، بل ضد الظروف التي تسمح بإنتاج المزيد منهم. فالمجتمعات لا تنتصر عندما تملأ السجون فقط، بل عندما تقلل الحاجة إليها. ولا تنجح عندما تلاحق الوحوش بعد ظهورها، بل عندما تهدم المصانع التي تنتجها قبل أن تفتح أبوابها كل صباح.

الاخبار العاجلة