فاس تحت الأنقاض: أسئلة مؤجلة حول البناء غير المهيكل ومنظومة المراقبة العمرانية

فاس تحت الأنقاض: أسئلة مؤجلة حول البناء غير المهيكل ومنظومة المراقبة العمرانية
مصطفى مجبر
مصطفى مجبر

لم تعد المآسي العمرانية في بعض المدن المغربية تُقرأ فقط كحوادث معزولة أو أخطاء تقنية، بل أصبحت تطرح بإلحاح سؤالاً أوسع يتعلق بفعالية منظومة التعمير، وحدود المراقبة، وتداخل المسؤوليات بين مختلف المتدخلين. فكل حادثة من هذا النوع تعيد إلى الواجهة نقاشاً قديماً متجدداً: هل الخلل في النصوص القانونية أم في تنزيلها؟ أم في المساحات الرمادية التي تتشكل بين القرار الإداري والواقع الاجتماعي والاقتصادي؟

في العمق، ما يثير الانتباه ليس فقط وقوع اختلالات في البناء أو التهيئة، بل استمرار بعض الممارسات التي تسمح بولوج مشاريع إلى مرحلة الاستغلال رغم علامات استفهام تحيط بمدى احترامها للمساطر. وهنا يبرز سؤال جوهري حول آليات منح التراخيص، وتتبع الأشغال، ومدى الصرامة في ربط المسؤولية بالمحاسبة على مختلف المستويات.

كما يطرح النقاش نفسه حول كيفية تعامل بعض الملفات مع ما يُعرف بـ”الواقع القائم”، حين تتحول مخالفات إلى وضعيات مقننة بحكم الأمر الواقع، سواء عبر التغاضي أو التأخير أو تعقيد مسارات المراقبة. وهي إشكالية تجعل المواطن في كثير من الأحيان غير قادر على فهم أين تبدأ وأين تنتهي المسؤولية.

ومن بين أكثر الأسئلة حساسية، تلك المرتبطة بالخدمات الأساسية كالماء والكهرباء، وكيف يتم أحياناً ربط بعض البنايات بالشبكات الحيوية قبل التأكد الكامل من مطابقتها للمعايير القانونية. وهو ما يفتح نقاشاً حول التنسيق بين الجماعات الترابية، وشركات التدبير المفوض، ومصالح التعمير، في إطار منظومة يفترض أن تكون دقيقة ومترابطة.

إن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في القوانين، بل في تطبيقها اليومي، وفي قدرة المؤسسات على فرض نفس القواعد على الجميع دون استثناء أو انتقائية. فالمسألة هنا لا تتعلق بتدبير إداري فحسب، بل بثقة المواطن في الدولة، وبإحساسه بأن حماية الأرواح والسكن الكريم أولوية لا تقبل التأجيل.

اليوم، لم يعد المطلوب مجرد بلاغات أو تفاعلات ظرفية، بل مراجعة هادئة وعميقة لسلسلة القرار العمراني برمتها، من التخطيط إلى المراقبة إلى المحاسبة. فكل حلقة ضعيفة في هذه السلسلة قد تتحول إلى خطر عام، لا تظهر نتائجه إلا عندما يصبح الوقت متأخراً جداً.

إن المدن لا تُقاس فقط بما تُشيّده من بنايات، بل بما تضمنه من أمان لساكنتها، وبمدى قدرتها على تحويل القانون من نصوص إلى واقع ملموس يحمي الجميع دون استثناء.

الاخبار العاجلة