يحلّ عيد الشغل كل سنة محمّلاً بالخطابات والشعارات والوعود المتجددة حول كرامة العامل وقيمة العمل في بناء المجتمعات. غير أن هذا الموعد الرمزي لم يعد يمرّ كما كان في السابق؛ إذ بات يثير سؤالاً أكثر عمقاً وإحراجاً: هل ما زلنا نحتفل بالعمل، أم نواسي أنفسنا بفكرةٍ بدأت تفقد معناها؟
فالعمل، في جوهره، لم يكن يوماً مجرد وسيلة للعيش، بل كان تعبيراً عن المشاركة في صناعة المستقبل، وعن شعور الإنسان بأنه عنصر فاعل في مجتمعه. لكن التحولات الاقتصادية المتسارعة، وهشاشة فرص الشغل، واتساع دائرة القلق المهني، جعلت العلاقة بين الإنسان والعمل علاقة متوترة، يختلط فيها الأمل بالإرهاق، والطموح بالخوف من الغد.
اليوم، لم يعد كثيرون يسألون عن النجاح بقدر ما يسألون عن الاستقرار. لم يعد الحلم هو التقدم المهني بقدر ما أصبح الحفاظ على وظيفة قائمة إنجازاً بحد ذاته. وهنا تكمن المفارقة: نحتفل بعيد الشغل في زمن أصبح فيه الشغل نفسه مصدر قلق دائم لا فضاءً لتحقيق الذات.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب العمل ليس قلة الفرص فقط، بل فقدان المعنى. حين يتحول العمل إلى تكرار يومي بلا أفق، وإلى التزام ثقيل يخلو من الإحساس بالقيمة، يفقد العيد روحه ويصبح مجرد طقس اجتماعي يمرّ دون أثر حقيقي في حياة الناس.
عيد الشغل، إذن، ليس مناسبة للاحتفال فقط، بل لحظة مراجعة جماعية: كيف نعيد للعمل إنسانيته؟ كيف نجعله مجالاً للإبداع لا مجرد وسيلة للبقاء؟ وكيف نستعيد الإحساس بأن الجهد المبذول يقود فعلاً إلى كرامة واستقرار وعدالة اجتماعية؟
ربما لم يعد السؤال: هل للعيد شغل؟
بل السؤال الأصدق هو: هل ما يزال الشغل يمنح الإنسان سبباً حقيقياً للاحتفال؟

