من ملاعب الصغار إلى رهانات الكبار: دوري فناسة باب الحيط وتجسيد الذكاء الترابي في خدمة التنمية المجالية…

من ملاعب الصغار إلى رهانات الكبار: دوري فناسة باب الحيط وتجسيد الذكاء الترابي في خدمة التنمية المجالية…

يونس لكحل      

                                      
لقد أصبحت الرياضة، وخاصة كرة القدم، كأحد أهم الرهانات الاستراتيجية القادرة على إحداث تحول حقيقي في مسارات الناشئة. فلا يتعلق الأمر هنا فقط بممارسة بدنية أو ترفيهية، بل بمنظومة متكاملة للتربية والتأطير وبناء القيم، وهو ما تجسده بوضوح تجربة تنظيم دوريات كرة القدم للفئات السنية الصغرى…
فتنظيم دوريات للفئات السنية يتجاوز في جوهره فكرة المنافسة الرياضية، ليصبح فضاءً لتكريس قيم الانضباط، والعمل الجماعي، وروح المسؤولية. فالطفل أو اليافع الذي ينخرط في فريق، ويلتزم بتداريب منتظمة، ويخوض مباريات ضمن إطار منظم، يكتسب بشكل تدريجي مهارات حياتية أساسية قد تعجز المدرسة أحياناً عن ترسيخها بنفس القوة. ومن خلال ذلك تتحول هذه الدوريات إلى مدرسة موازية لصناعة المواطن الصالح، القادر على التفاعل الإيجابي مع محيطه…
وفي هذا الاطار، يبرز دوري جماعة فناسة باب الحيط كنموذج ناجح يستحق التوقف عنده. فقد تمكن هذا الدوري من تحقيق إشعاع لافت، ليس فقط من حيث عدد الفرق المشاركة أو الحضور الجماهيري، بل أساساً من خلال جودة التنظيم وحسن التأطير. حيث أبان القائمون عليه عن وعي متقدم بأهمية التخطيط المسبق، وضبط الجوانب اللوجستية، وتوفير شروط المنافسة الشريفة، وهو ما انعكس إيجاباً على صورة الحدث وعلى انخراط مختلف الفاعلين فيه.


كما ان ما يميز هذه التجربة بجماعة فناسة باب الحيط هو قدرتها على الجمع بين البعد الرياضي والبعد التنموي. فالدوري لم يكن مجرد نشاط موسمي عابر، بل تحول إلى منصة للتعريف بالجماعة ومؤهلاتها الطبيعية والاقتصادية والمجالات التنموية الضرورية . بحيث أصبح الحدث مناسبة لاستقطاب الزوار، وتحريك الدينامية المحلية، وخلق نقاش عمومي حول حاجيات المنطقة، سواء في مجال البنيات التحتية الرياضية أو في مجالات أخرى مرتبطة بالتنمية وتحقيق العدالة المجالية.
وهذا البعد “التسويقي” للدوري يكتسي أهمية خاصة، إذ يندرج ضمن ما يمكن تسميته بالتسويق الترابي الذكي، حيث يتم استثمار حدث رياضي للتعريف بمجال ترابي واعد . وهنا تكمن قوة المبادرة: عبر تحويل نشاط في كرة القدم من مجرد لعبة إلى أداة للترافع غير المباشر من أجل التنمية.
كما لا يمكن فصل نجاح هذا الدوري عن الدينامية العامة التي تعرفها الجماعة، حيث يتقاطع مع مشاريع منجزة وأخرى في طور الإنجاز أو مبرمجة في مختلف القطاعات. وفي هذا الإطار، يكتسي مشروع الملعب المعشوشب المرتقب أهمية خاصة  ، باعتباره لبنة أساسية لتعزيز البنية التحتية الرياضية، وضمان استمرارية مثل هذه المبادرات في ظروف أفضل. وهذا  المشروع القريب من التنزيل لا يمثل فقط فضاءً لممارسة الرياضة، بل هو استثمار في المستقبل، وفي طاقات شبابية تحتاج فقط إلى التأطير والاحتضان.
والرهان الحقيقي طبعا لا يكمن فقط في تنظيم دوري ناجح أو إنجاز ملعب معشوشب، بل في القدرة على استدامة هذه الدينامية، وتحويلها إلى سياسة محلية قائمة الذات، تعتمد على إشراك المجتمع المدني، والمؤسسات التربوية، والمنتخبين، في رؤية مشتركة تجعل من الرياضة رافعة للتنمية الشاملة.
وتجربة فناسة باب الحيط تقدم درساً بليغاً : التنمية لا تبدأ دائماً من المشاريع الكبرى أو الاستثمارات الضخمة، بل قد تنطلق من مبادرات بسيطة، صادقة، ومؤطرة بشكل جيد، قادرة على خلق أثر تراكمي يغير واقع منطقة بأكملها. ولذلك وجب تعميم مثل هذه التجارب، مع مراعاة خصوصيات كل مجال، ما سيشكل مدخلاً عملياً لتقليص الفوارق المجالية، وإعادة الاعتبار للرياضة كحق أساسي وكرافعة للتنمية.
ومن خلال كل ذلك ،فتنظيم دوري كرة القدم للفئات الصغرى بجماعة فناسة باب الحيط لم يكن مجرد نشاط ترفيهي ، بل  مشروع مجتمعي بامتياز، حمل بين طياته إمكانيات كبيرة لصناعة الأمل، وبناء الإنسان، وتسويق المجال عبر البحث عن الترافع الواقعي لجلب التمويل للمشاريع التي تحقق انتظارات وتطلعات الساكنة …
فمن ملاعب الصغار إلى رهانات الكبار : دوري فناسة باب الحيط يجسد الذكاء الترابي في خدمة التنمية المجالية ..

الاخبار العاجلة