من قلعة السراغنة إلى أفق وطني: تكامل الجهود يرسم ملامح أمل جديد لأطفال التوحد

من قلعة السراغنة إلى أفق وطني: تكامل الجهود يرسم ملامح أمل جديد لأطفال التوحد

جليلة بنونة

في الثاني من أبريل من كل سنة يتجدد النقاش حول التوحد لا كحالة طبية فقط، بل كقضية مجتمعية تلامس الحق في العلاج والتعليم والاندماج. في قلعة السراغنة، بدأت ملامح تحول ملموسة تظهر تعكس انتقالا تدريجيا من المبادرات المحدودة إلى عمل منسق بين مؤسسات عمومية وفعاليات مدنية.

على مستوى القطاع الصحي، عملت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية محليا بقيادة الدكتور يونس لكريك على دعم خدمات موجهة للأطفال في وضعية توحد، من خلال مراكز توفر مواكبة متعددة التخصصات. الجديد في هذه التجربة هو حضور اختصاصات كانت إلى وقت قريب شبه غائبة، مثل طب نفسي الأطفال، والعلاج الحسي الحركي، وتقويم النطق والكلام، وهو ما ساهم في تحسين جودة التكفل ومنح الأسر إمكانيات أقرب للتشخيص المبكر والمتابعة المنتظمة.

Screenshot


وفي هذا الإطار كان قد أشرف السيد سمير اليزيدي، عامل إقليم قلعة السراغنة مرفوقا بوفد رسمي، على زيارة ميدانية لمركز التوحد للاطلاع على تقدم أشغال إنجازه، و من ثم إعطاء الانطلاقة، باعتباره مشروعا ممولا في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، في خطوة تعكس اهتماما متزايدا بهذا المجال على المستوى الترابي.

في الجانب التربوي، تسعى وزارة التربية الوطنية بقيادة المدير الإقليمي ذ حميد حبيبي عبر مديريتها الإقليمية إلى تعزيز إدماج هؤلاء الأطفال داخل المؤسسات التعليمية. و مجابهة الإكراهات المرتبطة بالتكوين والوسائل، فإن اعتماد أقسام دامجة وتكييف الممارسات الصفية يشير إلى تحول في التعاطي مع التوحد داخل المدرسة، من منطق الإقصاء إلى محاولة الاستيعاب.

كما يبرز دور مؤسسة التعاون الوطني كرافعة أساسية في دعم هذا الورش الاجتماعي، من خلال تمويل الجمعيات النشيطة في مجال التوحد، خاصة عبر توفير الموارد البشرية المؤهلة. ويشمل هذا الدعم مرافقات الحياة العامة اللواتي يضطلعن بدور محوري في مرافقة الأطفال داخل الفضاءات التربوية والاجتماعية، إلى جانب تمكين الجمعيات من الاستعانة باختصاصيين في مجالات متعددة، مما يساهم في تعزيز جودة الخدمات المقدمة وضمان استمرارية برامج المواكبة. هذا الإسناد المؤسساتي لا يخفف فقط العبء عن الأسر، بل يرسخ كذلك مبدأ التكامل بين العمل العمومي والمبادرات المدنية في بناء منظومة أكثر إنصافا وفعالية.

أما المجتمع المدني، فقد أصبح فاعلا أساسيا في هذا المسار. الجمعيات المحلية تشتغل على التوعية، ومواكبة الأسر، وخلق فضاءات دعم موازية، ما ساهم في تخفيف الضغط الاجتماعي والنفسي، وكسر جزء من الصور النمطية المرتبطة بالتوحد.

وفي هذا السياق، قدمت جماعة قلعة السراغنة دعما خاصا لفائدة جمعية السبيل للتوحد، خصص لتمويل فضاء للألعاب (parc de jeux) داخل مؤسسة فتح الابتدائية، بهدف توفير متنفس ترفيهي وبيئة ملائمة للأطفال المستفيدين، بما يعزز الجانب النفسي والاجتماعي إلى جانب التأهيل التربوي.

هذه الدينامية، رغم محدوديتها، تعكس توجها إيجابيا قوامه التنسيق بين الصحة والتعليم والعمل الجمعوي. وهي تجربة محلية يمكن قراءتها في سياق أوسع يشهده المغرب، حيث بدأ الاهتمام بالتوحد يتخذ طابعا أكثر وضوحا، سواء على مستوى الخطاب أو المبادرات.

ورغم هذا التقدم، ما تزال الحاجة قائمة إلى توسيع هذه الجهود، وضمان استمراريتها، وتقليص الفوارق بين المناطق، لأن الرهان لم يعد فقط في توفير خدمات، بل في ترسيخ حق فعلي في الإدماج، يضمن لكل طفل، بغض النظر عن مكانه، نفس فرص العيش والتعلم.

الاخبار العاجلة