حين نزل الغطاس المصري إلى عمق زمزم.. شهادة علمية من قلب بئرٍ يتجدد منذ آلاف السنين

Screenshot
Screenshot

في سنة 1979، وثّقت إحدى أبرز عمليات الصيانة في تاريخ بئر زمزم، حين كُلّف الغطاس المصري محمد يونس بمهمة رسمية للنزول إلى قاع البئر، في إطار عملية تنظيف ودراسة ميدانية أشرف عليها مختصون، من بينهم الجيولوجي الباكستاني محمد لطيف، وبتنسيق مع الجهات المعنية بإدارة المسجد الحرام في مكة المكرمة.

المهمة لم تكن تقنية فحسب، بل حملت بعداً علمياً مهماً، إذ أتاحت فرصة نادرة لمعاينة واحدة من أشهر الآبار في العالم عن قرب، ودراسة خصائصها الجيولوجية والهيدرولوجية بشكل مباشر.

يقع بئر زمزم على عمق يقارب 30 متراً تحت سطح الأرض، وهو عمق يُعد متوسطاً مقارنة بآبار أخرى حول العالم. غير أن ما يمنحه خصوصيته هو استمرارية تدفقه عبر قرون طويلة، رغم موقعه في بيئة صحراوية.

المعاينات الميدانية والدراسات الجيولوجية تشير إلى أن البئر يتغذى من نظام مائي جوفي مرتبط بتكوينات صخرية متشققة في وادي إبراهيم. هذه التكوينات تعمل كخزان طبيعي، يسمح بتجميع مياه الأمطار والسيول من مناطق محيطة، ثم توجيهها عبر شقوق وصدوع نحو نقطة التجمع الرئيسية داخل البئر.

وتتدفق المياه من فتحات تغذية داخل الجدار الصخري للبئر، في مشهد يعكس دينامية طبيعية دقيقة، تحافظ على منسوب المياه حتى خلال فترات الاستهلاك المرتفع، خاصة في مواسم الحج والعمرة.

أظهرت التحاليل أن مياه زمزم تتميز بتركيبة معدنية متوازنة، إذ تحتوي على نسب من الكالسيوم والمغنيسيوم وأملاح معدنية أخرى ضمن حدود آمنة وصالحة للشرب. كما تتميز بنقاء ميكروبيولوجي يخضع لمراقبة دورية من الجهات المختصة، لضمان جودة المياه وسلامتها.

عملية النزول إلى قاع البئر سنة 1979 شكّلت لحظة فارقة، ليس فقط من الناحية التقنية، بل من حيث توثيق البنية الداخلية للبئر وآلية تغذيته. وقد خرج المشاركون بانطباع يعكس تقديراً عميقاً للدقة الطبيعية التي تحكم نظامه المائي.

ويبقى بئر زمزم، إلى جانب رمزيته الدينية الراسخة في وجدان المسلمين، نموذجاً لتلاقي الإيمان بالمعرفة العلمية، حيث تتكامل المعطيات الجيولوجية مع التاريخ الروحي الممتد عبر آلاف السنين.

وفي ظل التطوير المستمر لمرافق الحرم، تواصل الجهات المختصة أعمال الصيانة والمراقبة لضمان استدامة هذا المورد الحيوي، الذي ظل عبر العصور شاهداً على قدرة الطبيعة على التجدد، ضمن منظومة دقيقة ومتوازنة.

الاخبار العاجلة