يونس لكحل
بينما كانت مدينة فاس تنتظر خارطة طريق واقعية تنتشلها من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، جاءت الزيارة الأخيرة لمحمد شوكي الرئيس الجديد لحزب التجمع الوطني للأحرار، لتثير تساؤلات أكثر مما قدمت من إجابات. فبدل أن تحمل الزيارة رفقة أعضاء المكتب السياسي حلولاً ملموسة، بدت محملة بشعارات ” مستهلكة وفارغة “، بحيث يرى مراقبون أنها تؤشر على بداية النهاية لحضور “الحمامة” في العاصمة العلمية والجهة عموما .
الزيارة وُصفت من قبل متتبعين بأنها محاولة استعجالية لإطفاء حريق تنظيمي آخذ في الاتساع. غير أن ما كان يُنتظر أن يكون محطة لإعادة بناء الثقة وترميم التصدعات، تحول إلى مناسبة عمّقت الإحساس بغياب الرؤية، وأعادت إلى الواجهة سؤال المستقبل السياسي للحزب بالجهة.
بحيث جاءت في سياق أزمة خانقة : انسحابات متتالية لعدد من المنتخبين وحالة احتقان داخلية، وتراجع واضح في منسوب الحماس التنظيمي. بحيث انه وفي الكواليس، يتحدث كثيرون عن “ قفزهم الوشيك من سفينة الأحرار المتجهة نحو الغرق ” وذالك قبل فوات الأوان، بعدما ترسخت قناعة لدى شريحة واسعة من المنتسبين بأن الحزب يسير نحو تعثر انتخابي كبير إن لم نقل سقوطاً مدوياً في الاستحقاقات المقبلة.
وهي المؤشرات التي لم تكن تحتاج إلى خطابات إنشائية، بل إلى تشخيص سياسي صريح وخارطة طريق دقيقة تعترف بالأعطاب وتقدم بدائل واقعية.
لكن الخطاب الذي تم تصريفه في اللقاء الحزبي المنعقد بفاس ، وبحسب شهادات من حضروا، لم يخرج عن دائرة الشعارات الجاهزة التي تُستدعى عادة مع اقتراب أي موعد انتخابي: “سنعمل”، “سنتعاون”، “سنجد الحلول”، “بالتكاثف والتضامن سنحقق المستحيل”. وهي مجرد عبارات فضفاضة تفتقر للمسؤولية وكشف الحقائق حول فشل منظومة الحزب بالجهة بحصيلة صفرية !! .
وبعدما غاب النقاش والحوار في معضلات وفشل الملفات التي راهن الحزب على إيجاد حلول لها على جل المستويات الاقتصادية والاجتماعية وسوء التسيير والتدبير لعدد من القطاعات والمؤسسات التي يقودها منتخبوا الحزب بعدد من الأقاليم بالجهة ،وعن إكراهات الجماعات الترابية وما تعانيه من تبخر لوعود الدعم التنموي مع نهاية الولاية الإنتدابية ، أو عن كيفية إستعادة ثقة قواعد بدأت تتآكل …
فما وقع بإجتماع فاس اعطى انطباع وكأن الزمن السياسي لم يتحرك ومازال متوقف عند هذا الحزب ، بحيث ان الخطاب ذاته يُعاد تدويره دون اكتراث بتحولات المزاج العام.
وما أثار الاستياء كذلك باللقاء لم يكن فقط فراغ المضامين الخطابية ، بل النبرة التي طغت على اشغاله من خلال استعمال الرئيس الجديد للحزب عبارة من قبيل “ما تحشمونيش” ..، فُهمت من طرف عدد من الحاضرين على أنها تبسيط مخلّ واختزال للنقاش السياسي في مستوى أقرب إلى التوبيخ المدرسي منه إلى الحوار بين فاعلين سياسيين . فبدل أن يُعامل المنتخبون كشركاء في تحمل المسؤولية وصناعة القرار، شعر بعضهم بأنهم يُخاطَبون كما لو كانوا أطفالاً في فناء مدرسة يُطلب منهم الانضباط لا النقاش. هذه النبرة، التي وُصفت في الكواليس بـ”المضحكة والمحرجة”، عمّقت الإحساس بالهوة بين القيادة والنخب والقواعد ، ففي السياسة لا يجب أن ينفصل الشكل عن المضمون.، فحين يغيب العمق في الطرح، وتُستبدل المقاربة الاستراتيجية بلغة عاطفية فضفاضة، تتراجع هيبة الخطاب ويهتزّ منسوب الثقة.
وما حدث في هذا اللقاء اكيد انه يعكس، في جوهره، أزمة تواصل وأزمة تصور في آن واحد عبر تواصل ابان عن ضعفه، وتصور لم يقدّم أجوبة عن سؤال الحاضر ولا عن أفق المستقبل. لذلك لم يكن مستغرباً أن يغادر عدد من الحاضرين اللقاء بإحساس ثقيل بأن الحزب في الجهة يعيش مرحلة أفول، وأن ما يجري ليس سوى محاولة إنعاش متأخرة لجسد أنهكته الشعارات الفارغة وضعف التأطير وضبابية الرؤى السياسية …
و الحديث الآن عن “ وفاة سياسية ” لهذا الحزب على الاقل بجهة فاس مكناس قد يبدو توصيفاً قاسياً، لكنه يعكس مزاجاً سائداً داخل أوساط منتسبين يشعرون بأن التنظيم فقد بريقه وقدرته على الإقناع. فعندما تتراكم التصدعات، وتتسع دائرة الانسحابات، ويُقابل النقد الداخلي بلغة تبسيطية مضحكة ، يصبح الخوف من صناديق الاقتراع هاجساً مشروعاً، والانتخابات المقبلة لن تكون مجرد استحقاق عادي، بل اختباراً فاصلاً : إما مراجعة حقيقية تعيد الاعتبار للسياسة كفعل مؤطر برؤية وبرنامج والتزام فعلي عبر الأداء الواقعي ، أو تكريس لمسار انحداري قد يجعل من المشهد الانتخابي المقبل أشبه بمراسيم إعلان نهاية مرحلة كاملة.
فالمقدمات الآن توضح ان النتائج ستكون فاشلة بوجود خطاب سياسي (للأحرار) مستهلك وضعيف ومتجاوز ، وواقع تنظيمي مثقل بالتصدعات ، مما سيحول الاخفاق والسقوط إلى مسألة وقت وفقط ، فالوفاة إكلينيكياً واقع ، والإعلان عن مراسيم العزاء والدفن ستكون لا محالة بالإستحقاقات الانتخابية القادمة ما في الأمر شك …

