
يونس لكحل
الكتابة ليست في تقديري، ترفًا ثقافيًا ولا استعراضًا بلاغيًا يُستهلك في لحظة إعجاب عابرة، بل هي فعل مساءلة مستمر، وموقف أخلاقي قبل أن تكون موقفًا لغويًا . لذلك حين نقول إن كتاباتنا ليست صيحة في واد، فنحن لا نتباهى بصوت مرتفع، بل نراهن على بحر من الثقة في أن تعرية الوقائع ضرورة، وأن كشف المستور ليس فعل عداء، بل ممارسة صحية تعيد التوازن إلى المجال العام.
ففي الوقت الذي تتكاثر فيه الأصوات وتتناقص فيه المعاني، يصبح الفرق شاسعًا بين من يكتب لإثارة الانتباه ومن يكتب لإيقاظ الوعي. الأول يبحث عن التصفيق، والثاني يراهن على الفهم.
الأول يستعجل الأثر، والثاني يؤمن بتراكم الأثر. ومن هذا المنطلق تتحدد طبيعة العلاقة بين الكاتب والقارئ: هل هي علاقة استهلاك عابر، أم شراكة في إنتاج المعنى؟ فالكتابة التي نؤمن بها لا تخاطب الغريزة، بل العقل؛ لا تغازل الانفعال اللحظي، بل تستفز التفكير الهادئ والعميق لتحقيق التغيير عبر قول الحقيقة التي تم تفكيك مدخلاتها ومخرجاتها المختبئة في سراديب اللاوعي …
والإنسان، في نهاية المطاف، ليس كائنًا يُختزل في حاجاته البيولوجية، وإن كانت أساسية، بل هو كائن معنى. صحيح أن هناك من يعيش ليقتات وينام، ويعتبر أن دورة الحياة تنتهي عند حدود الضرورة اليومية، لكن هناك أيضًا من يرى في الفهم ضرورة لا تقل أهمية عن الخبز، وفي القراءة والكتابة فعل مقاومة، وفي التفكير شرطًا للكرامة. وبين النموذجين فارق مهول، ليس في الذكاء الفطري، بل في اختيار زاوية النظر إلى الحياة: هل نعيشها كحاجة أم كمشروع وعي؟
الكتابة التحليلية، في هذا السياق، لا تُجامل الكسَل الذهني، ولا تُساير النزعة إلى التبسيط المخل، بل تراهن على القارئ الذي يقرأ ما بين السطور، ويدرك أن المعنى أحيانًا يُقال بالتلميح لا بالتصريح، وأن النقد ليس تشهيرًا، بل محاولة لتصحيح المسار. فالعقول الكبيرة لا تبحث عن خطاب يُطبطب عليها، بل عن فكرة تُربك يقينها وتدفعها إلى إعادة النظر.
إن تعرية الوقائع ليست فعل تشفٍّ، ولا هواية في صناعة الخصوم، بل هي إيمان بأن المجتمعات التي تخاف من الحقيقة تبني هشاشتها بأيديها. فكل واقع لا يُفكك، يتحول إلى مسلّمة، وكل مسلّمة غير ممتحنة قد تنقلب إلى قيد. ومن هنا تأتي مسؤولية الكلمة: تلك التي تُزعزع الركود، و تفتح نافذة في جدار الصمت، وتذكّر بأن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بالمعنى الذي يمنحه لوجوده.
قد يبدو الطريق الذي نختاره في الكتابة الجادة أقل شعبية، وأكثر وعورة، لأنها لا تَعِد براحة فورية، ولا تقدم إجابات جاهزة، لكنها تراهن على المدى البعيد؛ على قارئ يقدّر الجهد الفكري، وعلى مجتمع يفهم أن الوعي ليس ترف نخبة، بل شرط نهوض.
وبين من يكتفي بأن يعيش يومه، ومن يصرّ على أن يفهم سياقه ويحلله، تتحدد ملامح المستقبل.
إنها، في النهاية، دعوة صريحة للانحياز إلى العقل، وإلى القراءة المتأنية، وإلى التفكير الذي يسمو بالإنسان فوق مجرد البقاء. فالكتابة حين تكون صادقة وعميقة، لا تضيع في الفراغ، بل تجد طريقها إلى من يستحقها؛ إلى أولئك الذين يدركون أن أعظم المعارك لا تُخاض في الشارع فقط، بل تبدأ في الذهن، حيث تتشكل القناعات، ويتقرر المصير.
إننا نكتب، إذن، لا لنُرضي الجميع، فذلك وهم، ولا لنستعرض تفوقًا أخلاقيًا، بل لأننا نؤمن بأن الكلمة الصادقة، حين تجد عقلًا حيًا، تتحول إلى قوة تغيير. وبين من يكتفي بالعيش، ومن يختار أن يفهم، يبقى الفارق مهولًا، ويبقى الرهان دائمًا على القلة التي تدرك أن المعركة الحقيقية تبدأ من الوعي، وأن الكتابة، حين تكون جادة، ليست صيحة في فراغ، بل صوتًا في بحر الثقة، موجته بطيئة، لكنها عميقة ولا ترتد…

