حين تتحول السياسة إلى مرآة للذات :قراءة نفسية-سياسية في سلوك مسؤولي الأحرار بإقليم تاونات

حين تتحول السياسة إلى مرآة للذات :قراءة نفسية-سياسية في سلوك مسؤولي الأحرار بإقليم تاونات

يونس لكحل   

                                        
لم يعد المشهد السياسي في إقليم تاونات يُقرأ فقط من زاوية التنافس الحزبي أو تدبير الشأن الإقليمي، بل بات يكشف، بوضوح متزايد، عن أزمة أعمق تمسّ العقل السياسي والنفسي الذي يُدبّر التنظيمات، وفي مقدمتها حزب التجمع الوطني للأحرار على المستوى الإقليمي.
فما تشهده تاونات اليوم من احتقان، وقطيعة متنامية بين المواطن والفاعل الحزبي، لا يمكن اختزاله في ضعف التواصل أو تعثر المشاريع، بل يجد تفسيره في أنماط سلوكية تتكرر داخل البنية التنظيمية القيادية، وتُحيل على ما يسميه علم النفس السياسي بـ “ الثالوث المظلم” (The Dark Triad).
فأولى سماته نجد النرجسية، التي تتجلى في تضخم الأنا السياسية، وتحويل المسؤولية الحزبية إلى امتياز شخصي.
بحيث وفي هذا السياق، لم يعد يُنظر إلى حزب التجمع الوطني للاحرار بإقليم تاونات كإطار جماعي أو مؤسسة تنظيمية مؤطرة ، بل كمنصة للتمجيد الذاتي،
فيُحتكر القرار باسم “ الشرعية المالية لمن يمتلك اكثر ”.
ويُقابل النقد الداخلي بالتخوين أو الإقصاء.
وتُختزل القواعد والمناضلون في أدوار ثانوية، تُستدعى فقط عند الحاجة الانتخابية.
وهذه النرجسية المرضية طبعا لا تُنتج قيادة، بل تُنتج قطيعة نفسية بين المسؤول وبيئته، وتجعل الخطاب السياسي فاقداً لروحه التشاركية.، فتتحول السياسة إلى ممارسة براغماتية خالصة، تُفصل الوسائل عن القيم ويتحول المسؤول السياسي على رأس التنظيم إلى مجرد سمسار بائع للأوهام في سوق النخاسة…
ويظهر ذلك من خلال:
إدارة التحالفات بمنطق المصلحة الظرفية.
وتسوق الوعود التنموية دون التزام فعلي.
حتى انه يتم توظيف النفوذ والعلاقات ( المصالح الشخصية ) بدل البرامج والرؤية.
وفي هذا الإطار طبعا ، يصبح المواطن مجرد “أداة” داخل معادلة انتخابية، لا شريكاً في القرار. وهو ما يفسر تآكل الثقة، واتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش.
وهذه – السيكوباتية – السياسية البغيضة
أخطر ما يميزها ما يطلق عليه بعلم النفس المرضي – بالثالوث المظلم – وهو غياب وتغييب واقعي للحس الأخلاقي الإنساني في اي ممارسة سياسية كانت او اجتماعية أو ثقافية ،.
فحين تُتخذ قرارات تمسّ حياة الساكنة من عزلة طرقية، وتهميش تنموي، وفشل في فك العزلة دون أي إحساس بالمسؤولية أو الاعتراف بالتقصير، نكون أمام سلوك:
لا يتأثر بالألم الاجتماعي.
ولا يُراجع اختياراته.
ولا يرى في الغضب الشعبي سوى ضجيج مؤقت.
هذا النوع من البرود لا يمارس عنفاً مادياً، لكنه يُنتج عنفاً مؤسساتياً ورمزياً، فيُطَبِّعُ
مع الفشل ويحوّله إلى أمر عادي.
والاكيد انه ومن التحليل النفسي إلى الواقع السياسي ،فإجتماع هذه السمات الثلاث داخل تدبير حزبي يفسر التحول الخطير في المزاج العام بتاونات، حيث لم يعد النقد سياسياً فقط، بل أصبح توصيفاً نفسياً ساخراً، يعكس عمق الخيبة وفقدان الثقة.
فالمشكلة لم تعد في غياب المشاريع وفقط ، بل في غياب الوعي بأن السياسة خدمة لا امتياز، ومسؤولية لا غنيمة.
لان الممارسة السياسة تحتاج إلى ضمير قبل البرامج..
و الخروج من هذا المأزق لا يمر عبر البلاغات أو الزيارات البروتوكولية، بل عبر
كسر منطق الزعامة المتضخمة.
وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا بالولاءات الفارغة .
لانه وبكل بساطة في إقليم تاونات، لم تعد الأزمة أزمة أشخاص فقط، بل أزمة عقل سياسي يرى في السلطة انعكاساً للذات، لا التزاماً تجاه الإنسان.
وعندما تحكم السياسة بعقل مظلم، يدفع المجتمع ثمن العتمة وهذه هي الحقيقة …

الاخبار العاجلة